«الكرة الأرضية من أدناها لأقصاها ملتهبة بالتوترات والصراعات، وتترقب بين لحظة وأخرى اشتعال حرب جديدة أو الإعلان عن تدمير دولة أو تغيير نظام، فى الوقت الذى تثبت فيه مصر أنها مهد الحضارات وسيدة هذا العالم فى الحكم الرشيد والأخذ بالأسباب الموضوعية للتنمية والتطور واقامة دولة حديثة عصرية تملك جيشاً قوياً يستطيع تنفيذ إرادتها وحماية سيادتها والدفاع عن أرضها وشعبها»، هذه العبارة تلخص الحالة المصرية الآن والتى نفخر بها وندعو الله أن يستمر توهجها وأن تمنح المنطقة والعالم بعضاً من سكينتها وعبقرية قيادتها وشعبها، فى ظل الظروف الإقليمية والدولية المعقدة والتى تشهد أكبر محاولات تمديد هيمنة الولايات المتحدة على العالم لعقود أخرى طويلة قادمة، تستطيع خلالها واشنطن استنفاد ثروات الدول وتقديم الدعم الكافى للكيان الصهيونى لتنفيذ مخططاته بإقامة «إسرائيل الكبري» من الفرات للنيل.
>>>
هكذا تقول التطورات الأخيرة التى بدأت مبكرا فى مستهل العام الجديد 2026، وبعد اجتماعات موسعة عقدها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، لتضع العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل العالم فى المستقبل القريب، فى ظل الهيمنة الأمريكية وفى ظل التغييب المتعمد للقانون الدولى والمنظمات الدولية والميثاق الأممي، فقد جاءت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته لترسم ملامح حزينة على وجوه معظم شعوب العالم، ليس لاعتقال الرئيس الفنزويلى وزوجته بطريقة دراماتيكية هوليودية سبق استخدامها بسيناريوهات مختلفة مع رئيس بنما «نورييجا» عام 1989 والرئيس العراقى الأسبق صدام حسين2003، ولكن لأن المشهد فى فنزويلا جاء ليجسد معانى انفراد قوة واحدة بإدارة العالم وليؤشر عن استمرار الصراعات فى الشرق الأوســط وفى قلب أوروبا وفى بحر الصـين الجنــوبى، بل وتصاعد هذه الصراعات وتغييب السلام كلية وتهديد البشرية بحروب تأكل الأخضر واليابس.
>>>
لقد حملت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو من حصنه بالعاصمة كاراكاس ثم نقله إلى نيويورك، العديد من الرسائل لدول العالم خاصة وأن عملية الاختطاف هذه المرة استخدم فى تنفيذها العديد من الأسلحة وتم التخطيط لها بعد جمع معلومات استخباراتية دقيقة عن الرئيس الفنزويلي، حيث تم توجيه أكثر من 150 طائرة أمريكية من قواعد برية وبحرية من بينها مقاتلات وطائرات استطلاع ومسيرات ومروحيات إلى حصن مادورو، وبدأ تنفيذ عملية الإنزال الجوى لقوات «دلتا» الأمريكية فى جنح الظلام، بينما تكفلت المقاتلات بتوفير الحماية والأقمار الاصطناعية والتقنيات السيبرانية بتعطيل الرادارات الفنزويلية، إلى أن تم اعتقال الرئيس الفنزويلى وزوجته ونقلهما إلى مدينة نيويورك الأمريكية والتى شهدت هى الأخرى نوعا آخر من الاستعراض تضمن وضع مادورو وزوجته دون حراسة مشددة وفى سيارة اسعاف مفتوحة أثناء اقتيادهما للمحاكمة فى صور ومشاهد متتالية فحواها أن الولايات المتحدة هى أكبر قوة فى العالم ومن ليس معها فهو ضدها ومن لم ينفذ أوامر البيت الأبيض فمصيره الدمار أو الاقتحام والاعتقال، أيضا ومن ضمن الرسائل: أن ثروات أى دولة «نفطية أو معدنية» هى رهن مصلحة الولايات المتحدة وستقوم باستغلالها الشركات الأمريكية.
>>>
وحقيقة فإن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى لم تتوقف عند هذا الحد، أو عند تباين مواقف بعض الدول الكبرى فى التعاطى مع الحدث بين مؤيد ومعارض وبين صامت أوخائــف، فقـد شــكَّل الاسـتخدام الموسـع للجواسـيس فى تنفيذ العملية الأمريكية الأخيرة نقطة نقاش محورية، إذ أن القوات الأمريكية ما كانت لتنفذ عملية الاختطاف بهذه السهولة إن لم يكن قد تعرفت على كل تحركات الرئيس الفنزويلى والحرس المحيط به والقوات التى تحرس القصر أو الحصن الذى يحتمى به، وهنا فقد بات من الضرورى دراسة كيفية تلافى خطر الجواسيس فى أى دولة، خاصة وأن الاستعانة بهم ظهر بشكل متزايد خلال الفترة الماضية فى العمليات التى قامت بها إسرائيل فى غزة ولبنان وإيران، أيضا من المسائل المهمة فى أحداث فنزويلا: الاستخدام الموسع لوسائل الحرب الإلكترونية وإسكات وسائل الدفاع الجوي، والتى من خلالها تمكنت الطائرات والمروحيات الأمريكية التجول بحرية فى سماء فنزويلا والاقتراب من حصن «مادورو» ثم تنفيذ عملية الإنزال الجوى بهدوء دون إصابة طائرة أو سقوط قتلى بين الجنود الأمريكيين.
>>>
من المبكيات أيضا فى قصة اختطاف الرئيس الفنزويلى ونقله إلى نيويورك للمحاكمة، هو عودة الحديث عن تقسيم بعض دول الشرق الأوسط، لاسيما بعد تصاعد حدة الحروب الأهلية فى اليمن والسودان والآثار السلبية لاعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال، كذلك التهديد بشن حرب شاملة ضد إيران، وهو ما تواجهه مصر حاليا بالمزيد من التحرك الدبلوماسى لتقريب وجهات النظر والحفاظ على وحدة وسلامة الدول الشقيقة والصديقة وتحقيق التوافق العربى حول القضايا الملحة فى المنطقة وفى المقدمة منها القضية الفلسطينية، وليست مبالغة فى أن التطورات الأخيرة أعادت التأكيد على أن مصر قوية وقادرة وأنه لابديل عن الدور المصرى فى إرساء السلام وتحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة والعالم، وإجبار الكيان الصهيونى على نسيان «إسرائيل الكبرى».









