أنا فى المساحة الضيقة والحاسمة التى تفصل بين شهيق الحياة وزفير الرحيل، هنا يتوقف الزمن تماماً، أقصد لا أدركه.. هنا يصبح صوت «المونيتور» هو الإيقاع الوحيد المسموع، عشت 96 ساعة خلف أبواب العناية المركزة لمرضى قسطرة القلب بمستشفى المقطم للتأمين الصحي، هنا يكتشف الإنسان أن «النفس» الذى يخرج ولا يعود هو أثمن ما يملك.. أربعة أيام بدأت بجلطة مباغتة ليس بينى وبينها معرفة، كان بينى والموت لحظات والغريبة أننى كنت أصر بمقاومة وبتجاهل لألم فى القلب وعرق وبرودة جبهة الرأس على الذهاب للمستشفى، ولكن اصرار ابنتى فرح وسما ونصيحة خالهما المتخصص فى الصدر د.محمد سعد وزيادة الألم جعلانى أتخلى عن العناد ولم أجد أمامى سوى الاتصال بالدكتور محمد عبدالله مدير مستشفى المقطم للتأمين الصحى الذى يعلم حالتى بصدور قرار بالدخول للقسطرة منذ أيام وأنا أماطل فى تنفيذه، ذهبت للطوارئ وبعد رسم القلب وتحليل انزيمات القلب شعرت بحركة غريبة حولي.. جاء طبيب من الرعاية الحرجة، سألنى من معك، قلت ابنى عبدالرحمن « أخذه بعيدا ليوقع على تعهد بالعملية، وقال لى بعدها بصراحة: أنت عارف عندك ايه؟
– قلت لا.. قال بهدوء: جلطة فى القلب وحندخل عمليات حالا..
دقائق ووجدتنى على كرسى متحرك مدفوعا إلى مصير بدأت أتهيأ له، ترى أى مصير ينتظر أولادى وصغيرى عمرو، ترى هل سأذهب إليك يا الله وأنت راض عنى، ترى.. ترى.. ترى.. عشرات الأسئلة وهواجس من هنا وهناك.. قلت لابنتى وأنا أحبس دموعا تعاندني: اتصلى بعمك أسامة.. ذهبت إلى مصير لمواجهة الجلطة ولا أعرف من المنتصر لتنتهى المعركة الأولى والثانية وبانتظار قسطرة ثالثة لإصلاح ما أفسده الزمن، وبين هذه وتلك.. تجلت حقيقة مصر التى لا تموت من وجوه أقابلها لأول مرة، بملحمة إنسانية تُكتب بالدم والعرق والدموع.. مداعبة من طبيب البنج واعتذار عن شكة ألم لحقنته التى تمنعنى من الشعور بالألم الجسدى، ولكنها بالطبع تعجز عن اختراق وتبنيج هواجس الخوف..
لم تكن المعركة داخل غرف القسطرة فحسب، بل كانت هناك ملحمة أخرى تدار خارج الأبواب المغلقة، وبينما كنت أرقد بين اليقظة والغفوة، وبين غيبوبة الألم وصحو الأمل، عرفت اخبارها حين اخترق أذنى صوت طبيب شاب د. محمد عيسى فى غرفة العناية ينادى بصوت عالٍ ومندهش: «ياجماعة.. «جريدة الجمهورية» كلها بره!».
.. الجملة لم تكن مجرد إخبار بحضور زملاء المهنة، بل كانت صرخة الوفاء فى حضرة الغفوة.. صرخة أربكت هدوء العناية المركزة حين سارع الأصدقاء والزملاء إلى المستشفى بفيض من المشاعر اقتسمت مع الأهل والأقارب القلق والخوف والرجاء، مشاعر أحدثت «أزمة حب» فى الردهات، مع مئات الوجوه والقلوب القلقة بالتليفونات أو االتى جاءت لتطمئن، كل ذلك وضع أمن المستشفى وإدارتها فى موقف صعب لاستيعاب هذا الطوفان من النبل ليواجهوه بنبل أكبر.. أما هاتفى الذى أعطيته لأبنتى فرح، تحول إلى «مركز اتصالات» لا يهدأ، لدرجة أن ابنتى، التى كانت تتولى الرد، لم تعد تستطيع ملاحقة الرنين المستمر أو استيعاب هذا الكم الهائل من القلق والمحبة الذى تدفق عبر الموبايل ومن منصات التواصل الاجتماعى، ليجعلها عاجزة عن الرد عن استفسارات وأسئلة لا تعرف اجابتها، بعد ان علمت بها جعلتنى أشعر بأننى لست وحيداً فى مواجهة الألم.
> داخل غرفة القسطرة، وتحت قيادة الاستشارى القدير الأستاذ الدكتور إبراهيم عيسي، كان الفارق بين الحياة والموت «نصف ساعة» فقط.. أوأقل.. فى وقت قياسي، تم تجهيز الفريق واستدعاء الاستشارى من منزله. شاهدت قلبى وهو يُفتح شرايننه من جديد على شاشات التليفزيون، سمعت توجيهاته الحاسمة بتفتيت الجلطة ثم بالدخول بالبالون لتوسيع الشريان المحوري، ومناقشة فريقه للوصول للقرار الحكيم فى اختيار مكان «الدعامة الدوائية» ومقاسات وأرقام تتوالي، ولأننى لأفهم مدلول الأرقام والمصطلحات.. ذهبت اليه.. توسلت اليه.. اطمئننت.. يد الله فوق أيديهم.. تمتمات بآيات من القرآن الكريم.. استنجاد واستحضار ثم رحيل اليه، الى النبى الكريم- بالصلاة عليه وعلى آله وأحبابه- مؤمناً بيقين أن «يد الله فوق أيديكم».. الأطباء يستعينون بالله وينفثون فى قلبى نَفَس الحياة، كل حركة هى استرداد لروح كادت أن تغادر.
> فى غرفة العناية لا أعرف ليلا من نهار، النور النيون المستمر يشعرك بأن الليل بلا نهار، عشرات الوجوه من ملائكة الرحمة، رائحة معقمات نفاذة، ووجع يمتد من الصدر ليشمل كل زوايا الروح. من حولك، تسمع أنيناً خافتاً من «جار» لا تعرف اسمه، وتشاهد «خيال الموت» يحلق أحياناً فوق سرير مجاور حين تتسارع خطوط الأجهزة ثم تنبسط فجأة فى خط مستقيم مرعب… هنا تسقط الألقاب.. لا فارق بين وزير وغفير، غنى وفقير.
.. هنا تذوب كل الفوارق الطبقية والاجتماعية التى نتقاتل عليها فى الخارج. فى هذا «البرزخ» الطبي، فالجميع يرتدى ذات الثوب الأزرق الباهت اوالمنقوش على اللحم ،الجميع معلق بخيوط واهية من أجهزة التنفس والمحاليل.. هنا رأيت كيف يتساوى من كان يملك الدنيا بمن لا يملك قوت يومه.
وللحديث بقية.









