في مسرحية «كاسبر» للكاتب النمساوي بيتر هاندكه—الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2019—لا تُشنّ الحرب على الإنسان بالسياط، بل بالكلمات والجُمل؛ ولا يُساق إلى القفص الحديدي بالقوة، بل يُمنَح قاموسًا واحدًا يُقنعه، ببطءٍ مخيف، أنه العالم كلّه.
الكلمة هنا لا تؤدي وظيفة البيان، بل تؤدي وظيفة المقصلة؛ وحين تتكرر العبارة حتى تستقر في الأوردة، وتتسلل إلى النفس، وتتشربها الذاكرة، تتحول إلى قدرٍ داخليٍّ مقيم: يطيع المرء لا لأنه أُكره تماماً، بل لأنه لم يعد قادرًا على تخيّل شكلٍ آخر للحياة خارج المعجم الذي زُرع فيه زرعًا مدروسًا، وتدريجًا مخططًا، وهندسةً مدبرة للوعي.
وحين يكتمل “النَص” يكتمل “النسخ”، نسخة من الإنسان لا تجادل، لا تُراجع، لا تَعُود إلى نفسها، لأنها لم تُدرَّب يومًا على الرجوع، بل على الامتثال ؛ طاعة عمياء بلا سؤال، وانقياد بلا ضمير، بعد أن جرى تعطيل العقل لا قهره، وإلغاء التفكير ليس فقط منعه.
إنها واحدة من أخبث وأكثر وسائل البرمجة العقلية فتكًا، لأنها لا تكسر الإرادة مباشرة، بل تُفرغها من مضمونها تدريجياً .
وهكذا ينبغي أن يُقرأ مشروع مدرّس الخط حسن البنّا لا بوصفه مشروعًا تنظيميًا فحسب، بل بوصفه مشروعًا لغويًا في المقام الأول؛ معملًا لتدجين المعاني وتطويعها، قبل أن يكون ورشة لتفريخ أشبال الإخوان، ومختبراً لإعادة تعريف المفاهيم قبل أن يكون إطارًا لحركة التنظيم.
فالأخطر هنا ليس أنه يطلب طاعة عمياء وانضباط صارم بل لأن الانضباط المطلوب يُصاغ في إيقاعٍ يُحاكي الوحي دون أن يكون وحيًا.
وحين تُسحب هذه الخيوط بإحكام، وتُربط العقد على مهل، تخرج النتيجة الحتمية: صُحبة كاذبة تُقلّد الأولى في وظائفها النفسية العميقة—الاصطفاء، الامتياز الأخلاقي، الإحساس بالقرب من الحقيقة —من دون أن تحمل أخلاق الرسالة، ولا شروط النبوّة، ولا مقاصدها الإنسانية والأخلاقية.
وهذا تحديدًا هو المقصود بمفهوم “ظل مسيلمة الكذّاب” في سياقنا التالي ، لا ادّعاء النبوّة صراحة، بل محاكاة آثارها دون جوهرها وفلسفتها ؛ صناعة قداسة وظيفية تحيط بمرشد الإخوان، وصناعة “جيل مختار” يلتف حول التنظيم، ثم دفع المجتمع بأكمله ليغدو ساحة ارهاب لا وطنًا طبيعياً رحبًا يتّسع للاختلاف، ولا عقدًا جامعًا يحمي التنوّع كما كان حماه دستور النبي(صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة.
احتكار الفهم.. أول لبنة في الوحي الزائف
“إنما أريد بالفهم: أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه”
«رسالة التعاليم لحسن البنّا، أركان البيعة»، هذه الجملة ليست تعريفًا للفهم، بل تحويلٌ الفهم إلى شرط عضوية؛ فـ«أن تفهم الإسلام كما نفهمه» ليست دعوةً إلى المعرفة، بل قيدًا على المعرفة، هنا لا يُفتح باب الإدراك، بل يُغلق ويُسلَّم مفتاحه لجهة واحدة.
الفرق الجوهري بين الوعظ والهيمنة يتجلى بوضوح: الواعظ يقول «افهم»، ثم يترك لك مساحة السؤال، والتطوير، والبحث، والاستدراك—كما فعل الأئمة الأربعة الذين أسّسوا مدارسهم الفقهية على الاختلاف المشروع—أما مهندس الطاعة العمياء فيقول: «افهم كما أفهم أنا»، فيلغي المسافة بين النص والعقل، ويلغي حق الاجتهاد، ويحوّل الفهم من رحلةٍ معرفية إلى تطابقٍ قسري.
وبذلك لا يعود «الإسلام» أفقًا واسعًا تتعدد فيه المدارس وتتجاور فيه القراءات، بل يتحوّل إلى منتج تنظيمي مُغلق، له وكيل حصري، ومعيار قبول واحد، هو ما يقرره مدرّس الخط حسن البنّا.
هنا تُنزَع عن الدين رحابته التاريخية، ويُعاد تقديمه بوصفه سلعة فكرية مُعلّبة، لا يُسمَح بتداولها خارج القناة الرسمية المعتمدة من مرشد الإخوان، تماما كما اعتمد الهضيبي لاحقاً كتابات سيد قطب المتطرفة.
وهذه هي البذرة الأولى لـ«مسيلمة العصر الحديث» لا رجلٌ يقف على المنبر مدّعيًا النبوّة صراحة، بل منهجٌ يريد أن يتصرّف بوحي النبوّة دون وحي ؛ يزعم امتلاك مفاتيح “الفهم الصحيح”، ثم يمنح نفسه حق توزيع شرعية الداخل والخارج من الإسلام، لا بوصفه عالمًا يُجادَل، بل بوصفه مرجعية تُطاع.
فلسفيًا، تُنتج هذه الصيغة عقلًا مشوّهًا يخلط بين الحقيقة وبين حاملها، وبين الدين في إطلاقه، وبين تفسير المرشد للدين.
يُمحى الحدّ الفاصل بين النص الإلهي والاجتهاد البشري، فتُكسى القراءة التنظيمية بقداسةٍ ليست لها، ويُجرَّد النقد من مشروعيته الأخلاقية.
ومن هنا تُوَلِّدُ الصحبة الإخوانية الكاذبة: أتباع لا يرون أنفسهم «أعضاء» في تنظيم، بل “أهل فهم حصري” نخبةً مُختارة بحكم التعريف ذاته، لا بحكم العلم أو الخُلُق أو السعة.
الشمول المُلغِّم.. حين يبتلع التنظيم مساحة الدين والحياة
“الإسلام نظامٌ شاملٌ يتناول مظاهر الحياة جميعًا،فهو دولةٌ ووطنٌ أو حكومةٌ وأمّة، وهو خُلُقٌ وقوّةٌ أو رحمةٌ وعدالة، وهو ثقافةٌ وقانونٌ أو علمٌ وقضاء، وهو مادّةٌ وثروةٌ أو كسبٌ وغنى، وهو جهادٌ ودعوةٌ أو جيشٌ وفكرة، كما هو عقيدةٌ صادقةٌ وعبادةٌ صحيحةٌ سواءً بسواء”.
“من رسالة التعاليم – الأصول العشرين – لحسن البنا”
قد تبدو عبارة “الشمول” في ظاهرها اتساعًا رحبًا، يعكس قدرة الدين على استيعاب شؤون الإنسان، لكنها تُستخدم هنا بوصفها أداة إحاطة كاملة: كل شيء يدخل تحت العباءة، ثم لا يُسمَح لأحد بملامسة طرف العباءة إلا الجماعة نفسها.
فحين يُقال للشبل الإخواني إن الإسلام هو «دولة ووطن» و«جيش وفكرة» في سطرٍ واحد، تُمحى عمدًا الحدود الفاصلة بين الإيمان بوصفه رسالة هداية، وبين التنظيم بوصفه سلطة سياسية.
لا يعود الدين ميزانًا أخلاقيًا فوق السلطة، بل يصبح غطاءً لها؛ ولا يعود التنظيم وسيلةً بشرية قابلة للنقد، بل يتحول—تدريجيًا—إلى الترجمة العملية الوحيدة لهذا الشمول، ومع تراكم هذا الفهم، يصبح التنظيم هو الجهة التي تملك حق التحول من المبادئ إلى القرار، ومن القيم إلى السيادة، ومن الدين إلى السياسة، وهنا يتجلّى “ظلّ مسيلمة الكذّاب” بأوضح صوره: وحيٌ بلا ضوابط الوحي، وشموليةٌ تُستعمل حصرياً لا لتوسيع الفهم، بل لتذويب الفروق بين الدولة الوطنية—بمؤسساتها وقوانينها—وبين مشروع الجماعة بوصفه بديلًا كليًا.
سياسيًا، يفضي هذا التذويب بالضرورة إلى خصومة بنيوية مع الدولة؛ فالدولة الحديثة تَحتَكر التشريع والتنفيذ باسم الدستور والقانون، بينما الخطاب الشمولي يجعل الجماعة مرجعيةً أعلى—ولو ضمنيًا—بحكم أنها «تفهم الإسلام» فهمًا شاملًا، وتقدّم نفسها وصيًّا على المجتمع باسم هذا الفهم.
عند هذه النقطة لا تعود الدولة إطارًا جامعًا، بل تصبح عائقًا مؤقتًا ينبغي تجاوزه.
وهكذا تَصْنَع الصحبة الإخوانية الكاذبة جماعة ترى نفسها دولة داخل الدولة، وتتعامل مع المجتمع لا بوصفه شريكًا في عقدٍ وطني، بل بوصفه مرحلة انتقالية ينبغي «قيادتها» ثم التحكم الكامل فيها آجلًا أو عاجلًا.
هندسة الانقياد.. من البيعة إلى الحشد
“ونظام الدعوة—في هذه المرحلة—صوفيٌّ بحتٌ من الناحية الروحية، عسكريٌّ بحتٌ من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين : أمرٌ وطاعةٌ، من غير تردّدٍ ولا مراجعةٍ ولا شكٍّ ولا حرج”.
“من رسالة التعاليم – مرحلة التكوين – لحسن البنا”
هذه العبارة ليست توصيفًا تنظيميًا عابرًا، بل تصريحٌ بنيويٌّ كامل: روحانيات صوفية تُلبس الطاعة بريق القداسة، وعسكرة تُحوِّل الجسد إلى أداة تنفيذ، وشعارٌ قاطع يُغلق الطريق على «المراجعة» و«الشك» بوصفهما خطيئة لا فضيلة.
هنا لا تُبنى جماعة تربية ودعوة فحسب، بل تُشيَّد منظومة انقياد متكاملة الأركان.
إنها لغة لا تُنجب علماء، ولا تُنتج اجتهادًا، بل تُخرِّج كتلًا منضبطة صالحة للاستخدام، لأن الغاية ليست تنمية الضمير بل توحيد عناصر المعركة ضد المجتمع، وهنا تكمن الخطورة الفلسفية، هذه الصيغة تُلغِي الوسيط الأهم بين الإنسان وقراره، أي الضمير، فالضمير لا يَعمل في الفراغ، بل يحتاج مساحة تردّدٍ صحي، ومراجعةٍ واعية، وامتحان نية دائم.
أما الأمر بـ«من غير مراجعة»، فهو في جوهره تعطيل متعمَّد للصوت الداخلي للإنسان، وإسكات للذات قبل إسكات الآخر، ومن هذا الإسكات المنهجي تتخلّق الصُحبة الإخوانية الكاذبة في صورتها الأكثر قسوة، صُحبة لا تقوم على المحبة والخلق والاقتداء الحر، بل على الطاعة والحشد والالتزام الأعمى، رابطة لا تُنتج أخلاقًا، بل تماسكًا صلدًا يُدار من أعلى، ويُغذَّى بإحساس الاصطفاء والخطر الدائم.
ولم ينتصر مسيلمة يومًا ببرهانٍ أو حُجّة، بل انتصر—مؤقتًا—بجماعة لا تسأل، وبإيقاعٍ لغويٍّ يُشبه الوحي في سلطته النفسية، وهو بالطبع ليس وحيًا.
هكذا تعمل هندسة الانقياد حين تُستبدل الحقيقة بالإيقاع، ويُستبدل العقل بالأمر، وتُستبدل الأخلاق بالانخراط القسري مع التنظيم.
حين تُختَزَل الإرادة.. في الامتثال للمرشد
“وأريد بالطاعة: امتثال الأمر وإنفاذه توًّا، في العُسر واليُسر، والمَنْشَطِ والمَكْرَه”
“رسالة التعاليم – ركن الطاعة – لحسن البنّا”
الطاعة هنا ليست «انضباطًا إداريًا» يُنظّم الحركة، بل تعطيلًا زمنيًا للعقل.. كلمة واحدة تكشف الجوهر: توًّا !!، أي قبل التفكير، وقبل السؤال عن معيار الأمر، وقبل اختبار أخلاقيته أو مآله، إنها طاعة تسبق الفحص، وتُلغي المسافة الطبيعية بين الأمر والضمير.
بهذه الصيغة، لا يعود «الأمر» إجراءً قابلًا للمراجعة أو قرارًا خاضعًا للنقاش، بل يتحول إلى معيار أخلاقي قائم بذاته.
لا يُسأل: لماذا؟ ولا كيف؟ ولا إلى أين؟ فالطاعة هنا لا تُقاس بسلامة الفعل، بل بسرعة الاستجابة ” توا”، وفي هذا العمق تتضح وظيفة اللغة، ليست إقناعًا بقرار، بل صناعة “مستجيب” دائم لأوامر المرشد، كأن الإنسان يُعاد تعريفه بوصفه حلقة وصل بين التعليمات والتنفيذ.
سياسيًا، تُنتج هذه الصيغة كادرًا صالحًا للاستخدام في الصدام؛ لأن الاستجابة الفورية تُسهِّل نقل الفرد من حالة الموعظة إلى حالة المواجهة دون عبور أي جسر نقدي يختصر الطريق بين الخطاب والفعل، وبين الفكرة والعنف، فتغدو الأوامر وقودًا جاهزًا للحركة لا موضوعًا للمساءلة، وهكذا تُستكمل صناعة الصحبة الإخوانية الكاذبة: صحبة ترى في الطاعة -لا الأخلاق- معيار الإيمان، وتُقاس الاستقامة بسرعة الامتثال، لا بسلامة المقصد، ويُعاد ترتيب القيم بحيث تتقدّم الطاعة على الضمير، والالتزام على الرحمة.
وحين تصير الطاعة دينًا، يتحول المرشد—من حيث لا يُصرِّح—إلى ظلّ مسيلمة جديد، لا يقول «أنا نبي»، لكنه ينتزع حق إصدار الأوامر في «العسر واليسر» و«المنشط والمكره» كأنه فوق سؤال البشر، وفوق محاسبة التاريخ.
في الثكنة الإخوانية.. عسكرة التنظيم وإلغاء المواطنة
“وأريد بالطاعة: أن تعتبر نفسك دائمًا جنديًا في الثكنة، تنتظر الأوامر”
“رسالة التعاليم – شرح ركن الطاعة – لحسن البنا”
هذه الجملة لا تصف حالة تربوية، بل تُحدث نقلة وجودية ، فهي تُحوّل الشبل الإخواني من مواطن كامل الأهلية—له حقوق وواجبات ومسؤوليات قانونية—إلى منتظر دائم لأوامر مرشد الجماعة.
ينتقل الإنسان من موقع الشريك في المجال العام إلى موقع الأداة داخل نسق مغلق، لا يتحرك إلا بإشارة، ولا يُقدِّر الأمور إلا بميزان السمع والطاعة والتنفيذ “تواً” وفق رؤية الجماعة!!
وحين تُعسكر الهوية التنظيمية بهذه الطريقة، لا يعود المجتمع بيتًا مشتركًا، ولا فضاءً للتعايش والتعدد، بل يتحول—في الوعي المُعاد تشكيله—إلى ساحة عمليات، وهكذا يُعاد تعريف الواقع كله بلغة الثكنة الإخوانية.
في هذا السياق، يصبح الدستور والقانون منافسًا لبيعة المرشد؛ لأنه يَفرض قواعد عامة لا أوامر شخصية، ويُخضع القرار للمساءلة الدستورية لا للولاء المطلق لمرشد الجماعة، وتغدو المؤسسات الدستورية —بحكم ما تمثله من قانون وإجراءات ومسؤولية عامة—منافسًا مباشرًا لمكتب الإرشاد الذي لا يحتمل وسيطًا بين الأمر والتنفيذ.
ومن هنا، وبلا حاجة إلى نظرية مؤامرة، يتحول التنظيم إلى منافس للدولة بحكم البنية لا بحكم النوايا، وعلى هذا الأساس تتضح علاقة هذا الخطاب بعداء الجماعة البنيوي للمؤسسات السيادية، فالجيش والشرطة والأجهزة الأمنية لا تُرى هنا باعتبارها مؤسسات دولة تحمي المجتمع، بل—في منطق عقلية الثكنة الإخوانية—بوصفها العائق الأكبر أمام قيام “الثكنة البديلة” التي يحلم بها التنظيم داخل الوطن بمنطق البيعة والطاعة العمياء.
ولهذا تكون الصحبة الكاذبة للإخوان سياسية وميلشياوية بالضرورة لا دينية ؛ وتُعيد تعريف الشرف والولاء على مقاس التنظيم.
الغربة.. هندسة العزلة الإدراكية
“سيظلّ الإخوانُ غرباءَ كما بدأَ الإسلامُ غريبًا”
“من مقالات حسن البنا – النذير”
الغربة هنا ليست توصيفًا روحيًا بريئًا، ولا حالة وجدانية عابرة، بل تقنية مُحكَمة لعزل أشبال الإخوان إدراكيًا وشعورياً.
تُعاد تسمية الواقع على نحو ثنائي صارم: المجتمع «جاهل»، والتابع الإخواني «غريب»، والجماعة «نواة الحق المبين» على نحوٍ حصري، وحين تُبنى هذه الثنائية، لا يعود المجتمع ساحة تعايش أو إطارًا جامعًا، بل يتحول إلى ساحة اختبار دائم: من معنا فهو «يفهم»، ومن ليس معنا فهو «لا يفهم»، وبهذا المنطق تُسحب الشرعية الأخلاقية من المجال العام، ويُختزل التعدد إلى معيار واحد، فتُلغى المسافة بين الاختلاف والعداء، وهكذا تتحول الصحبة الإخوانية الكاذبة إلى سلاح ضد المجتمع، صحبة لا تسعى للاندماج، بل تُدرَّب على الانفصال، ولا ترى في المجتمع بيتًا مشتركًا، بل مادةً قابلة للاشتعال.
فلسفيًا، تُنتج هذه العزلة الشعورية “طُهرًا” زائفًا ؛ يشعر الشبل الإخواني أنه أعلى أخلاقيًا لمجرد أنه «غريب»، والغربة تُمنح قيمة بذاتها، لا بوصفها محنة إنسانية، بل بوصفها شارة تفوّق.
ومع الزمن، يصبح رفض المجتمع برهان صدق، وتتحول القطيعة إلى علامة اصطفاء، ويُعاد تأويل الفشل الاجتماعي على أنه ابتلاء، وهذه دائرة ” مسيلمية ” بامتياز: جماعة تُعطي نفسها حق تعريف المجتمع والصحبة معًا، ثم تجعل خصومتها مع المجتمع دليل نقاء لا سبب مراجعة.
في هذا المنطق، لا تُقاس الأخلاق بقدرتها على الجمع وتوحيد الناس وتعظيم المشترك بينهم ، بل بقدرتها على الفصل والاقصاء ؛ ولا تُختبر الحقيقة بثمارها الإنسانية، بل بعمق القطيعة التي تُخلّفها.
التجرد الإخواني.. حين يُعاد تعريف الولاء
“وأريد بالتجرّد : أن تتخلّص لفكرتك ممّا سواها من المبادئ والأشخاص”
“رسالة التعاليم – شرح ركن التجرد – لحسن البنا “
التجرّد في المعنى الإسلامي الأصيل إخلاصٌ لله، وتحرّرٌ من الأهواء، واتساعٌ للأخلاق التي تجعل الإنسان أوفى لضميره وأعدل مع مجتمعه، أمّا هنا، فيُعاد تعريف التجرّد ليغدو إخلاصًا لفكرة حسن البنا، لا كما يحتكم إليها العقل أو تُقاس بها مقاصد الشريعة، والنتيجة السياسية واضحة: تصفية ولاءاتٍ أخرى قد تنازع الولاء التنظيمي، الوطن، ورئيس الدولة بوصفه رمز الشرعية، والمجتمع بوصفه إطار العيش المشترك، والثقافة بوصفها ذاكرة وهوية، بل حتى ضمير الفرد بوصفه آخر خطوط الدفاع الأخلاقي.
وهكذا، لا يعود التجرّد تحريرًا للإنسان، بل إفراغًا مقصودًا له تمهيدًا لإعادة ملئه بولاء واحد.
وحين يُطلب من الإخواني المتجرد أن «يتخلّص ممّا سواها»، يصبح الوطن تفصيلًا قابلًا للتجاوز، وتغدو الدولة جهازًا يمكن اختراقه لا عقدًا عامًا ينبغي الوفاء به.
وهنا تتصل الفكرة مباشرةً بمخططات التفكيك والتقسيم: فالتقسيم لا يبدأ بالخريطة، بل يبدأ بولاءاتٍ متصارعة داخل العقل البشري.
حين يُنتج التنظيم ولاءً أحاديًا يعلو فوق كل ولاء، يصبح المجتمع قابلًا للتشظّي؛ تتكاثر الشرعيات المتنازعة، وتنشأ جماعات داخل الجماعة، وتظهر أوطان صغيرة داخل الوطن الكبير.
بهذا المعنى، لا يكون «التجرّد» فضيلةً أخلاقية، بل آلية سياسية خطرة تُعيد توزيع الانتماءات، وتُنهي فكرة العقد الإجتماعي العام، وتفتح الباب أمام صراعات لا تُحسم بالسلاح وحده وعمل الميلشيات ، بل تبدأ—قبل ذلك—بتفكيك معنى الانتماء نفسه.
الأخوة.. تحويل العاطفة إلى حالة تعبئة مستمرة
“وأريد بالأخوّة: أن ترتبط القلوبُ والأرواحُ برباطِ العقيدة”
“رسالة التعاليم – شرح ركن الأخوة – لحسن البنا”
الأُخوّة في أصلها رحمةٌ وتكافل، واتساعٌ إنساني يربط الناس على قاعدة التعارف والتعاون، لكن حين تُبنى بوصفها رابطةً مغلقة «تربط القلوب والأرواح» داخل تنظيمٍ سرّي، فإنها تنقلب من قيمة أخلاقية إلى بنية تعبئة وحشد دائم ضد الآخر!
عند هذه النقطة، لا تعود الأُخوّة علاقة إنسانية، بل شبكة وظائف: حماية، وتمويل، ونفوذ، واصطفاف، ثم—حين تكتمل الشروط—صدام.
هكذا تتحول العاطفة من طاقة رحيمة إلى سلاح سياسي، فـ«أخي» لم يعد من يشاركني الإنسانية، ولا من يشاركني الوطن، ولا حتى من يشاركني الإسلام، بل من يشاركني التنظيم!
فلسفيًا، يُنتج هذا النسق تمييزًا أخلاقيًا بنيويًا بين الناس: من هو داخل التنظيم الإخواني يُمنح قيمة أعلى بحكم الانتماء، ومن خارجها تُنتقص قيمته بحكم الغياب.
ولا يعود الميزان هو الخُلُق أو العدالة أو المقصد، بل درجة الانخراط داخل الجماعة ومدى الولاء للمرشد.
وهنا تتشكل الأُخوّة بوصفها هوية إقصائية !! وما إن ينغلق القلب بهذه الطريقة حتى يصبح العنف ممكنًا نفسيًا ضد كل من هو خارج الجماعة؛ لأن الخارج لم يعد شريكًا في الأُخوّة، بل تهديدًا لها، وتُستباح المسافة الأخلاقية التي كانت تمنع الصدام، فيكتمل شرط الانتقال من التعبئة إلى المواجهة الشاملة!
الثقة المُطلقة.. تأليه المرشد عمليًا دون تصريح
“وأريد بالثقة: اطمئنانَ الجنديِّ إلى القائدِ في كفاءتهِ وإخلاصهِ، اطمئنانًا عميقًا”
“رسالة التعاليم – شرح ركن الثقة ضمن أركان البيعة – لحسن البنا”
الثقة هنا ليست ثقةً في مبدأٍ أو قيمةٍ أو مسارٍ قابلٍ للمراجعة، بل ثقة في شخص، تُصاغ بمنطق «الجندية».
ليست علاقة شراكة بين عقلين، بل علاقة تراتبية صريحة: يطمئن «الجندي»، فيسقط عنه عبء التحقّق، ويُعفى من مشقّة السؤال، ويُؤجَّل ضميره لصالح الاطمئنان.
ومع هذا الاطمئنان «العميق»، لا تنشأ طمأنينة صحية، بل تتكوّن حصانة نفسية تحيط بالمرشد.
وفي هذا الموضع يتجسّد ظلّ مسيلمة الكذّاب بأدق صوره : المرشد لا يدّعي النبوّة، ولا يرفع لنفسه مقام العصمة، لكنه يستحوذ على وظيفة من وظائفها في الوجدان؛ أن كلامه يُتّبع لا لأنه صواب بالضرورة، بل لأنه مصدر «طمأنينة»!!
وحين تُسوق الطمأنينة بهذه الطريقة، تتحوّل من أثرٍ للحق إلى بديلٍ عنه ، وهنا يقع أخطر انتقال في المشروع الإخواني كلّه: من الدين إلى الشخص، ومن الشريعة إلى التنظيم، ومن المسؤولية الأخلاقية إلى الولاء النفسي.
حتمية الصدام.. الثمرة الأخيرة لظلّ مسيلمة
“ومراحلُ هذه الدعوةِ ثلاثٌ: التعريفُ، ثم التكوينُ، ثم التنفيذُ”
“من رسالة التعاليم – لحسن البنا”
حين يضع مدرّس الخط حسن البنّا الدعوة في «مراحل» تبدأ بالتعريف ثم التكوين ثم التنفيذ، فهو لا يصف رحلة وعظٍ أخلاقي، بل يرسم مشروع برمجة عقلية كامل.
تعريفٌ: يُدخِل معجم الجماعة اللغوي إلى الوعي، فيُعيد تسمية الأشياء ويضبط معانيها؛ وتكوينٌ : يُعظم الطاعة العمياء في النفس ويُعيد تشكيل السلوك، فيُنهي التردّد ويؤجّل الضمير؛ ثم تنفيذٌ : يُحول ما تَشكَّل لغويًا ونفسيًا إلى فعلٍ منظَّم ومحطة منطقية في مسارٍ مُسبق الإعداد.
وحين تُحتكر الحقيقة، ويُعسكر الانتماء، وتُقدّس الثقة، وتُجرَّم المراجعة، يصبح الصدام نتيجة طبيعية لا انحرافًا طارئًا؛ لأن المجتمع—بطبيعته—لن يقبل أن يذوب في «ثكنة» أخوانية ، ولأن الدولة—بحكم تعريفها—لن تُسلِّم شرعيتها لتنظيمٍ سرّيٍّ موازٍ.
عند هذه النقطة ينشأ التصادم كأنه قدرٌ محتوم، بينما هو في الحقيقة ثمرة مسارٍ مُصمَّم بعناية!!
وهكذا فإن كسر ظلّ مسيلمة الإخواني يبدأ من من تحرير اللغة؛ كما يعلّمنا نصّ بيتر هاندكه ” كاسبر ” ، حيث يبدأ القهر حين تُعاد صياغة الكلمات لخدمة مشروع خبيث.
إنها مسيلمية إخوانية بآثار الوحي على النفوس، وبتحرير اللغة، تُعاد الكلمات إلى مواضعها، ويُعاد الدين إلى أفقه الأخلاقي الرحب، ويُستعاد السؤال بوصفه حقًّا إنسانيًا لا تهمة ولا إلحاداً.
وحين ينكسر المعجم الإخواني، تسقط الصحبة الكاذبة، وتنكشف المسيلمية—مهما تغيّر اسمها—على حقيقتها الدامغة ظلًّا تصنعه الكلمة الخبيثة ، ويُطفئه نور الوعي.









