«لا يفل الحديد إلا الحديد» هذا ملخص الدرس القاسى الذى يجب علينا استخلاصه من التجربة المريرة التى تعرضت لها دولة فنزويلا على يد الولايات المتحدة باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو واعتقاله فى أقل من ثلاث ساعات وترحيله مكبلا من العاصمة «كاراكاس» إلى نيويورك أو قل نقله من العرش إلى «البورش» فى غياهب السجون تمهيدا لمحاكمته بتهم تجارة المخدرات والتآمر على الولايات لمتحدة الأمريكية.
وبالفعل بدأت عملية محاكمته بشكل استعراضى أقرب لأفلام «هوليود» وكأنهم يبعثون رسالة تحذير ولن ابالغ إذا قلت تهديد لغيره من القادة والرؤساء لاسيما فى كولومبيا وكوبا والدنمارك.
كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ما ذكره الرئيس عبدالفتاح السيسى أكثر من مرة حينما قال «إن العفى محدش يقدر يأكل لقمته» وهو واقع نلمسه ونعيشه كل يوم فى ظل الأحداث والظروف التى تتعرض لها العديد من دول العالم حولنا.
ومن هذا المنطلق كان حرص القيادة السياسية على تزويد القوات المسلحة بأحدث الأسلحة والنظم العسكرية، فالقوى ليس بشخصه أو بمفرده ولكن بالله أولا ثم بشعبه وجيشه الوطنى المخلص المؤهل سواء من حيث العتاد أو العدة، والأهم من ذلك أن يكون من نبتة هذا الوطن ومن أبناء الشعب وليست مرتزقة كما هو الحال فى كثير من جيوش العالم المتقدم منها قبل النامي.
المؤكد أن العالم قبل يناير 2026 شيء وبعده شيء آخر فما حدث بمثابة نقطة تحول فى الجغرافيا السياسية الدولية، تتجاوز تداعياتها منطقة الكاريبى بكثير. فما حدث بمثابة صدمة قاسية للنظام العالمي. فبعد أشهر من التصعيد العسكرى عبر «عملية الرمح الجنوبي» والضغوط الاقتصادية الهائلة، بات من الواضح أن حتى الخطاب المناهض للإمبريالية الراسخ يجب أن يفسح المجال أمام الواقع القاسى لبسط النفوذ المادي.
ففى الوقت الذى تسعى فيه واشنطن لاستعادة هيمنتها بلا هوادة تكشف الأزمة حقيقة أن أوروبا أصبحت بالفعل قارة عجوزاً وليست سوى متفرج فى لعبة القوى الجديدة، وتُسلّط الأحداث فى فنزويلا الضوء على مواطن الضعف فى السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية.
وينطبق الأمر ذاته على بكين وموسكو، اللتين اعتمدتا طويلا على فنزويلا، أغنى دول العالم نفطيا، كموطئ قدم استراتيجى لنفوذهما فى أمريكا اللاتينية ولكن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذا الرهان، فى وقت تتحرك فيه الولايات المتحدة بواقعية صارمة، مستخدمة القوة العسكرية ومنح استثناءات خاصة لشركاتها الكبرى مثل «شيفرون» لحماية مصالحها.
فى المقابل، تواصل أوروبا الوقوف فى موقع المتفرج، غارقة فى سلبية مقلقة، وهو ما يجعل التناقض بين خطابها الأخلاقى وعجزها السياسى أكثر وضوحا من أى وقت مضي.
ويبقى السؤال المهم الذى يردده الملايين حول العالم : من خان «مادورو» وسلّمه لمخابرات أمريكا،
وهل قبض 50 مليون دولار «المكافأة الأمريكية»؟!
هل هو وزير الدفاع «الظاهرة الصوتية» أم «نائبة الرئيس» التى أصبحت رئيسًا مؤقتًا؟ أم مُرتزق من الاستخبارات الكوبية دفعت له أمريكا أكثر؟
الإجابة حسب ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز»: أن «مصدر مقرّب من مادورو» داخل الحكومة جنّدته الاستخبارات الأمريكية وكلفته بمراقبة كل تحركاته وأبلغ CIA بكل تفاصيل حياة مادورو: من الأكل الذى يفضّله والزى والحيوانات الأليفة التى يربيها إلى «مخبأه الأخير».
ثم قامت فرقة المهمات الخاصة «دلتا» باقتحام غرفة نوم مادورو لتبدأ الدراما، كاشفة أن السرعة التى تمت بها العملية كانت بسبب قيام الفرقة بصناعة نسخة طبق الأصل من قصر مادورو وتدرّبت عليها لأشهر.
ثم شاركت فى العملية 150 طائرة أمريكية -مقاتلة وهليكوبتر ومسيّرة- «احتلّت» سماء كاراكاس وانجزت المهمة خلال ساعتين و28 دقيقة فقط، وانتهى كل شيء من الاقتحام إلى الخروج من أجواء فنزويلا- وتحوّل مادورو من رئيس أكبر دولة نفطية إلى «معتقل أمريكي» !!.









