فى لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتكاثر فيها بؤر الصراع وتتقاطع المصالح الدولية على حساب استقرار الدول، يبرز تطابق الموقفين المصرى والسعودى بوصفه ركيزة أساسية لحفظ التوازن ودعم منطق الحلول السلمية التى تصون الدولة الوطنية وتحمى سيادتها وسلامة أراضيها. هذا التطابق لم يعد مجرد تقارب فى وجهات النظر، بل بات نهجًا سياسيًا متماسكًا يتجسد فى تنسيق دائم ومواقف متسقة إزاء أزمات المنطقة الأكثر تعقيدًا.
اللقاء الذى جمع الرئيس عبدالفتاح السيسى بسمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، يعكس بوضوح هذا المسار المشترك. فالمباحثات لم تقتصر على تأكيد متانة العلاقات الثنائية، بل تجاوزتها إلى بلورة رؤية مشتركة حيال قضايا إقليمية ملتهبة، على رأسها الأوضاع فى السودان واليمن والصومال وقطاع غزة، وهى ساحات تتقاطع فيها حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، ويغيب عنها الحل العسكرى لصالح مسارات سياسية شاملة.
جوهر الموقف «المصـرى- السعودى» يقوم على مبدأ ثابت: لا استقرار دون دولة وطنية قوية، ولا حلول مستدامة خارج إطار احترام السيادة ووحدة الأراضي. هذا المبدأ يكتسب أهمية مضاعفة فى ظل محاولات تفكيك الكيانات الوطنية، سواء عبر صراعات داخلية ممتدة أو تدخلات إقليمية ودولية تُفاقم الأزمات بدل احتوائها. ومن هنا، يصبح التمسك بالحلول السلمية ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومى العربي.
فى السودان، حيث تتصارع الأطراف المسلحة على حساب الدولة والمجتمع، يتلاقى الموقفان المصرى والسعودى على أولوية وقف إطلاق النار، وفتح مسار سياسى جامع يحافظ على وحدة البلاد ويمنع انزلاقها نحو سيناريو التفكك. وفى الصومال، تتجسد الرؤية ذاتها فى دعم مؤسسات الدولة ومواجهة الإرهاب ضمن إطار سيادي، بعيدًا عن منطق الوصاية أو الحلول الجزئية التى تعيد إنتاج الأزمة.
أما فى قطاع غزة، فإن التطابق بين القاهرة والرياض يكتسب بعدًا إنسانيًا وسياسيًا بالغ الحساسية. فالدعوة إلى حلول سلمية شاملة لا تنفصل عن ضرورة إنهاء معاناة المدنيين، ووقف دوامة العنف، والعودة إلى مسار سياسى جاد يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحفظ فى الوقت ذاته استقرار الإقليم ويحول دون اتساع رقعة الصراع.
ويظل الملف اليمنى نموذجًا كاشفًا لأهمية هذا التنسيق المصري- السعودي. فاليمن، بما يحمله من تعقيدات سياسية وجغرافية، لا يحتمل مقاربات إقصائية أو حلولاً مفروضة بالقوة. من هنا تأتى أهمية ترحيب مصر بالجهود التى تبذلها المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر شامل يجمع المكونات الجنوبية اليمنية للحوار حول القضية الجنوبية. هذه الخطوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن معالجة جذور الأزمة اليمنية تمر عبر حوار جامع، يتيح لكل الأطراف التعبير عن رؤاها ضمن إطار وطنى واحد.
سياسيًا، يحمل هذا المؤتمر المحتمل رسالة واضحة مفادها أن الحلول المستدامة لا تُبنى إلا على التوافق، وأن إشراك المكونات الجنوبية فى حوار منظم يعزز فرص التوصل إلى تسوية عادلة ومتوازنة. إقليميًا، تمثل هذه المبادرة رافعة للاستقرار فى منطقة بالغة الحساسية، ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، وهى اعتبارات تتقاطع فيها المصالح المصرية والسعودية بصورة مباشرة.
كما أن احتضان الرياض لهذا المسار الحوارى يعكس دورًا سعوديًا متناميًا كقوة إقليمية فاعلة تسعى إلى تحويل ثقلها السياسى والاقتصادى إلى أدوات لصناعة السلام، لا لإدارة الصراع. وفى المقابل، يأتى الدعم المصرى لهذه الجهود منسجمًا مع خبرة القاهرة التاريخية فى إدارة الأزمات الإقليمية، وإيمانها بأن استقرار الجوار العربى جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.
إن الحديث عن تطابق الموقفين المصرى والسعودى لا يعنى تطابقًا آليًا أو لحظيًا، بل شراكة إستراتيجية تتأسس على قراءة مشتركة لمخاطر المرحلة، وعلى قناعة بأن غياب الحلول السلمية يفتح الباب أمام مزيد من الفوضي. ومن هنا، فإن تكثيف التنسيق السياسي، كما أكد الجانبان، يصبح شرطًا لازمًا لمواجهة التحديات المتصاعدة، سواء تلك المرتبطة بالنزاعات المسلحة أو بالتدخلات التى تستهدف تفكيك الدول من الداخل.
يقدم التقارب المصري- السعودى نموذجًا عربيًا مسئولاً فى إدارة الأزمـات، يقـوم علـى تغليب منطـق الدولـة، ودعم الحــوار، ورفــض العــبـث بوحــدة الأوطـان. وهــو نمــوذج لا يخاطب الداخل العربى فقط، بل يبعث برسالة إلى الرأى العام العالمى مفادها أن فى المنطقة قوى تدرك أن السلام الحقيقى لا يُفرض، بل يُصنع عبر التوافق، وأن حماية السيادة ليست عائقًا أمام الاستقرار، بل شرطه الأول.









