اعتقد أننا نتفق جميعا على أن الدراسات والبحوث العلمية هى الأداة الأكثر صدقاً لفهم الأسباب قبل اقتراح الحلول، وهى الجسر الذى ننتقل عبره من الانطباع إلى المعرفة، ومن الاجتهاد الفردى إلى القرار الرشيد.
أكتب هذا بعد مشاركتى فى جلسة حوار شيقة دعتنى إليها الزميلة الدكتورة نهلة عبدالتواب، المدير الإقليمى لمجلس السكان، لمناقشة استخدامات المراهقين للمنصات الرقمية، وذلك فى إطار عرض النتائج الأولية لدراسة واسعة يجريها المجلس فى عدد من المحافظات.
كان اللقاء ثرياً بحضور نخبة متميزة من الخبراء يمثلون وزارات مختلفة، ومجالس قومية، ومنظمات دولية، وجمعيات اهلية والجامعات، وهو ما منح الحوار عمقا حقيقيا، وفتح الباب أمام قراءة علمية هادئة لقضية شديدة الحساسية.
أشارت إحدى الدراسات إلى أن مصر تحتل المرتبة الأولى عربياً من حيث عدد مستخدمى منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك، يليه انستجرام ثم تيك توك. كما يقضى المستخدم المصرى فى المتوسط نحو ثلاث ساعات يوميا على هذه المنصات، وهو حجم كبير من الوقت المهدَر. وتشير الأرقام كذلك إلى أنه فى أواخر عام 2025 بلغ عدد مستخدمى الإنترنت فى مصر نحو 98.2 مليون شخص، بينما وصل عدد المستخدمين النشطين لمنصات التواصل الاجتماعى إلى نحو 51.6 مليون مستخدم. وهى أرقام ضخمة ذات دلالات عميقة، خاصة إذا علمنا أن استخدام هذه المنصات أصبح جزءا اساسيا من حياة المراهقين فى مصر، حيث تشير بعض التقديرات العامة إلى أن نحو 90 فى المائة منهم يستخدمونها، ولمدة تتجاوز ثلاث ساعات يوميا فى المتوسط تستنزف من أوقات المذاكرة والرياضة والنوم.
وراء هذه الأرقام لابد وأن تكون هناك حكايات إنسانية مؤلمة لا تظهر فى الإحصائيات.. فقد اشتكت لى سيدة بأنها لاحظت تغيرات حادة فى سلوك ابنتها المراهقة ورفضها الذهاب إلى المدرسة قبل أن تكتشف تعرضها لإبتزاز إلكترونى استمر عدة أشهر عاشت خلالها فى خوف وقلق وصمت قبل أن تنفجر فى البكاء طالبة المساعدة.. هذه القصة ليست استثناء، بل نموذج يتكرر بصور مختلفة داخل بيوت كثيرة.
لا شك أن الإنترنت والهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعى تمثل طفرة علمية هائلة، وكان لها دور واضح فى تحسين نوعية الحياة، وأصبح من الصعب تخيل عالمنا دونها. لكن هذه الطفرة تحمل وجها آخر، خاصة حين يتعلق الأمر بالمراهقين والشباب، حيث تتسلل المخاطر عبر محتوى فاسد أو ممارسات اجرامية تستهدف القيم والأمن النفسى والاجتماعي. بجانب ممارسات النصب والغش التجاري.
وباختصار شديد، فان الوعظ وحده لا يكفى لحماية أولادنا وبناتنا. فالحزم هو الأساس للحل الرادع. وينحصر الأمر فى محورين رئيسيين. الأول، التحكم الصارم فى المحتوي، من خلال إلزام الشركات المالكة لمنصات التواصل بالالتزام بقيم وتقاليد ومعتقدات المجتمعات التى تبث إليها محتواها، مع فرض غرامات رادعة أو الاغلاق الكامل فى حال المخالفة. وقد أثبتت تجربة استراليا مؤخراً أن هذا النهج عملى وقابل للتطبيق. أما المحور الثاني، فيتعلق بمواجهة الجرائم الالكترونية ذاتها، وهو عبء متزايد تتحمله الأجهزة الامنية فى مختلف الدول.
وفى مصر، نمتلك جهازا قويا لمباحث الانترنت وعلى أعلى مستوى من الكفاءة، وأقول ذلك عن تجربة شخصية، جهاز نفخر به بالفعل. لكن حجم البلاغات الهائل يفرض ضغوطا كبيرة، قد تؤثر احيانا على سرعة الاستجابة أو سهولة الاجراءات. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى دعم هذا الجهاز لوجستيا وبشريا، وتوسيع منافذ تلقى البلاغات فى كافة المدن، وابتكار آليات أسهل تتيح للمواطن الإبلاغ دون تعقيد أو كلفة، وبما يضمن حماية حقيقية للمراهقين والشباب ويشجعهم على الإفصاح عما يتعرضون له من تنمر أو تهديد أو ابتزاز.
ورغم خطورة التحدي، فإن الأمل مازال قائما. فحين يستند القرار إلى العلم، وتتكامل جهود الدولة مع المجتمع والأسرة، يمكن تحويل المنصات الرقمية من ساحة خطر إلى مساحة أمان، ومن مصدر تهديد إلى أداة لبناء وعى صحي، وحينها فقط نكون قد انتقلنا حقاً من الانطباع إلى علم اليقين.









