تتربع الحضارة المصرية القديمة على عرش التاريخ الإنسانى بوصفها إحدى أعظم وأعرق الحضارات التى عرفها العالم، حضارة لم تكن يوما ماضيا منتهيا، بل مصدرا متجددا للإبهار والمعرفة.. فمصر، بما تختزنه أرضها من كنوز أثرية فريدة، تتصدر خريطة العالم الأثري، ولا تزال آثارها شاهدة على عبقرية الإنسان المصرى القديم، تبوح كل يوم بأسرار جديدة تكشف تفاصيل دقيقة عن حياته، ومعتقداته، وعلومه، ونظامه الاجتماعى والسياسي، فى مشهد يدهش العلماء ويأسر خيال البشرية.
اليوم تتحول مصر إلى ورشة عمل أثرية مفتوحة، حيث يعمل على أرضها أكثر من 300بعثة أثرية أجنبية تمثل 26 دولة من مختلف قارات العالم، إلى جانب نحو 50 بعثة أثرية مصرية، فى حالة فريدة من التناغم والتعاون العلمى والبحثي.. هذا الحراك الأثرى المكثف لا يعكس فقط المكانة الاستثنائية لمصر فى قلب خريطة الاكتشافات العالمية، بل يجدد حضورها الحضارى ويؤكد أن تاريخها العظيم لا يزال حيًا، وقادرًا على إبهار العالم وكشف المزيد من أسراره مع كل اكتشاف جديد.
يقول الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن مصر تحتضن أكثر من 300 بعثة دولية تعمل بالتعاون مع نظرائها من المصريين فى كافة المحافظات.
أبرز هذه البعثات هى البعثة الفرنسية والتى تضم 55 بعثة، يعمل بعضها منذ أكثر من مئة عام, إضافة الى البعثة الأمريكية والتى تضم 40 بعثة، من بينها بعثة جامعة شيكاغو بمعابد تل إدفو، والبعثة الألمانية والتى تضم 39 بعثة، تنشط فى الفيوم ومناطق أخري, أما الإنجليزية والإيطالية فتضم 20 بعثة لكل منهما، والبولندية 17 بعثة والإسبانية 12 بعثة واليابانية 9 بعثات وأخيراً الصينية وتضم 4 بعثات، من بينها بعثة مشتركة مع متحف شنغهاى فى ميت رهينة.
وأشار أمين المجلس الأعلى للآثار أن محافظات الصعيد استحوذت على النصيب الأكبر من البعثات بواقع 144 بعثة، مقابل 62 بعثة فى الوجه البحري، مؤكداً أن جميعها تستخدم أحدث تقنيات المسح الجيوفيزيائى والتصوير الرقمى ثلاثى الأبعاد فى أعمال التنقيب.
«اكتشافات 2025»
وأوضح أمين المجلس الأعلى للأثار، أن العام الحالى شهد سلسلة من الاكتشافات البارزة التى أكدت استمرار مصر فى صدارة المشهد الأثرى العالمي.
وفى الأقصر، تمكنت البعثة المصرية الكندية المشتركة مع جامعة أونتاريو من تحديد هوية صاحب مقبرة «كامب 23» بمنطقة العساسيف، وهى المقبرة التى تعود إلى شخصية تُدعى آمون مس، عمدة مدينة طيبة فى عصر الرعامسة.
وفى سقارة، أعلنت البعثة المصرية بقيادة الدكتور زاهى حواس الكشف عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ، ابن الملك «أوسركاف» مؤسس الأسرة الخامسة، إلى جانب العثور على باب وهمى ضخم من الجرانيت الوردى يبلغ ارتفاعه 4.5 متر ويُعد الأول من نوعه بهذا الحجم والنقوش الدقيقة.
«مدينة الذهب القديمة »
أما جبل السكرى فى منطقة مرسى علم بجنوب شرق مصر على ساحل البحر الأحمر، فأنهت وزارة السياحة والآثار مشروع «إحياء مدينة الذهب القديمة» بعد عامين من العمل الشاق، وبالتعاون مع إدارة منجم السكري.
وأسفرت الحفائر عن اكتشاف معسكر تعدين يعود لأكثر من 3 آلاف عام، يضم بقايا مساكن للعمال وورش ومعابد ومبانٍ إدارية وحمامات من العصر البطلمي، إضافة إلى آثار من العصور الرومانية والإسلامية.
الإسكندرية والكرنك.. كنوز لاتنتهى
فى الكرنك، اكتشفت البعثة المصرية الفرنسية مجموعة حُليّ ترجع إلى بداية الأسرة السادسة والعشرين، ضمن أعمال المركز المصرى الفرنسى لدراسة معابد الكرنك.
أما فى الإسكندرية، فقد كشفت بعثة جامعة ليون والمعهد الفرنسى للآثار الشرقية عن رأس تمثال رخامى لرجل كبير فى السن من العصر البطلمي، داخل أطلال منزل من القرن السابع الميلادى بمنطقة تابوزيريس ماجنا غرب المدينة.
علم المصريات .. لا يزال ينبض بالحياة
أكد إسماعيل أن علم «المصريات» لا يزال يدهش العالم بعد أكثر من سبعة آلاف عام من نشأته، قائلاً: «إن كل اكتشاف جديد فى أرض مصر يفتح بابًا لفهم أعمق لتاريخ الإنسانية كلها، لا لتاريخ المصريين وحدهم».









