منذ أن بدأ الإنسان فى بناء الكيانات السياسية الكبري، لم تكن الجغرافيا مجرد خلفية صامتة للأحداث، بل كانت لاعبًا أساسيًا فى صياغة التاريخ. وبين عناصر هذه الجغرافيا، تبرز الممرات البحرية بوصفها أحد أكثر العوامل تأثيرًا فى نشوب الصراعات واستدامتها. فهذه الممرات، التى تبدو على الخريطة مجرد خطوط ضيقة من الماء، تحوَّلت عبر القرون إلى مفاتيح للقوة والنفوذ، وإلى لعنة تطارد الدول والشعوب الواقعة على ضفافها.
>>>
فى المراحل الأولى من التاريخ، ارتبط الصراع بالسيطرة على الأرض الخصبة والمواد الأولية والمعادن. ثم جاءت عصور التوسع الاستعمارى حيث أصبحت البحار وسيلة لنقل الجيوش والبضائع والعبيد، فكان التحكم فى طرق الملاحة ضرورة إستراتيجية. ومع تطور الاقتصاد العالمى وظهور الثورة الصناعية، دخل عامل الطاقة بقوة ليعيد تعريف قيمة الممرات البحرية، خاصة مع اعتماد العالم المتزايد على النفط والغاز المنقول بحرًا.
>>>
اليوم، تمر نسبة هائلة من التجارة العالمية عبر عدد محدود من المضايق والممرات البحرية. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بتفسير سبب تحول تلك النقاط الجغرافية إلى بؤر توتر دائمة. فمضيق باب المندب، على سبيل المثال، ليس مجرد مدخل جنوبى للبحر الأحمر، بل شريان حيوى يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. أى اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر حجم التدخلات الإقليمية والدولية فى اليمن والقرن الأفريقي.
>>>
القرن الأفريقى نفسه يمثل نموذجًا صارخًا لـ»لعنة الموقع». فالصومال، وإريتريا، وإثيوبيا، وجيبوتي، كلها دول تعانى من هشاشة سياسية أو صراعات مزمنة، رغم اختلاف أسبابها المباشرة. لكن العامل المشترك بينها هو الإطلالة على واحد من أهم الممرات البحرية فى العالم. هذه الأهمية جعلت المنطقة ساحة تنافس بين قوى دولية، وقاعدة لانتشار عسكرى أجنبى كثيف، الأمر الذى زاد من تعقيد الأزمات بدلًا من حلها.
>>>
ولا يختلف الوضع كثيرًا فى الخليج العربي، حيث يشكل مضيق هرمز عنق الزجاجة الأهم لتدفق النفط العالمي. هنا تتداخل الجغرافيا مع السياسة والعقيدة والتاريخ، ليصبح المضيق أداة ضغط إستراتيجية تستخدم فى الصراعات بين إيران من جهة، والدول العربية وحلفائها من جهة أخري. التهديد بإغلاق المضيق، أو حتى التلميح بذلك، يكفى لإرباك الأسواق العالمية، ما يمنح القوى المسيطرة عليه وزنًا يفوق حجمها الاقتصادى أو الديموغرافي.
>>>
المفارقة أن الدول المطلة على هذه الممرات لا تجنى بالضرورة فوائد استقرار أو ازدهار، بل كثيرًا ما تدفع ثمنًا باهظًا لموقعها. فبدل أن تكون الجغرافيا نعمة، تتحول إلى عبء أمنى واقتصادي. تتدفق الأساطيل الأجنبية، وتُفرض المعادلات الدولية بالقوة، وتُستدرج النزاعات المحلية إلى صراعات أكبر منها، لتصبح هذه الدول ساحات صراع بالوكالة.
>>>
تاريخيًا، لم تتخلَ القوى الكبرى عن هوسها بالممرات البحرية. من محاولات السيطرة البريطانية على قناة السويس، إلى التنافس الأمريكي- السوفيتى خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى الصراع الحالى بين القوى الكبرى على النفوذ البحري، ظل المبدأ واحدًا: من يسيطر على الممرات، يملك القدرة على خنق خصومه أو تأمين مصالحه الحيوية. ولهذا، فإن الخطاب الأخلاقى حول حماية الملاحة الدولية كثيرًا ما يخفى وراءه حسابات القوة والمصلحة.
>>>
فى عالم يتجه نظريًا نحو العولمة والتكامل الاقتصادي، تكشف الممرات البحرية عن الوجه الآخر للنظام الدولي، حيث لا تزال القوة الصلبة والجغرافيا الحاكمة تفرضان منطقهما. ومع تصاعد الأزمات الدولية، وتزايد الاعتماد على النقل البحري، يبدو أن لعنة الممرات البحرية ستستمر، ما لم تُعاد صياغة قواعد إدارة هذه النقاط الحساسة على أساس تعاون حقيقي، لا توازن رعب مؤقت.
>>>
فى النهاية، ليست الممرات البحرية مجرد مسارات للتجارة، بل خطوط تماس بين الطموحات الإمبراطورية ومصالح الشعوب، وبين منطق السيطرة ومنطق الاستقرار. وما دامت هذه الخطوط محكومة بعقلية الصراع لا الشراكة، ستظل الجغرافيا تصنع الحروب، وتظل الممرات البحرية لعنة أكثر منها نعمة.









