كتبت- سهى ذكى
لم تبن الثقافة المصرية عبر تاريخها الطويل على الإقصاء أو العزل، بل تشكلت بوصفها نسيجا إنسانيا وحضاريا متداخل الخيوط، ساهمت في صناعته عقول مختلفة المشارب، متفقة في الانتماء إلى وطن واحد ، وفي قلب هذا المشهد، لعب الأدباء والمفكرون الأقباط دورا محوريا في صياغة الوعي المصري الحديث، ليس باعتبارهم ممثلين لهوية دينية، بل بوصفهم مثقفين مصريين حملوا هموم الوطن، ودافعوا عن العقل، والحرية، والعدالة، والتنوير.
و لا تتوقف عند الانتماء الديني، بل تتجاوزه ليكشف كيف أسهم هؤلاء في بناء الشخصية المصرية، وترسيخ قيم المواطنة، والاعتزاز بالهوية الوطنية الجامعة.
من هنا بدأت مغامرة الحداثة السردية في مصر مع ادوارد خراط ، حين يقرر أن يغامر باللغة والوعي معا وهو روائي وقاص وناقد أدبي ويعد رائد الحداثة السردية ويمثل إدوار الخراط أحد أهم المنعطفات في مسار السرد العربي الحديث، حيث قاد مشروعا أدبيا قائما على التجريب وكسر القوالب الجاهزة و من أبرز الأعمال «رامة والتنين والزمن الآخر، ترابها زعفران» حيث تتضح رؤيته الفكرية في البحث عن الهوية والذات والوجود الإنساني، والانحياز لأدب الهامش مما أسهم في فتح المجال أمام أجيال جديدة لتجريب أشكال سردية مغايرة تعبر عن مصر بوصفها فضاء إنسانيا متعدد الأصوات، لا صورة أحادية..و إذا كان الأدب قد خاض معركة الشكل، فإن الفلسفة عند مراد وهبة خاضت معركة العقل ذاته ويعتبره الكثيرين أحد فلاسفة التنوير والعقل النقدي و ارتبط اسم مراد وهبة بالدفاع المستمر عن العقل في مواجهة التطرف والانغلاق، مؤمنا بأن النهضة لا تتحقق إلا بحرية التفكير.
وكانت كتبه ذات تأثير إيجابي علي القاريء مثل كتبه «ملاك الحقيقة المطلقة، العقل والإيمان في مواجهة التعصب» وكان قادرا علي نقد الفكر الدوجمائي وتفكيك الأفكار الجامدة ، وترسيخ مفهوم الدولة المدنية حتى أصبح أحد أبرز الأصوات الفلسفية في المشهد الثقافي المعاصر و اعتبر مصر مشروعا حضاريًا إنسانيًا يتجاوز الانقسامات.
وإذا كان مراد وهبة قد خاض معركة العقل في مواجهة التطرف بوصفها شرطا أساسيا للنهضة، فإن ميلاد حنا انتقل بهذا العقل من فضاء التنظير الفلسفي إلى مشروع وطني عملي، يشتبك مع فكرة الدولة والهوية والمواطنة، ليؤكد أن العقل لا يكتمل أثره إلا حين يتحول إلى تصور شامل لبناء المجتمع
وحين يلتقي الفكر بالوطن،لم يكن ميلاد حنا مفكرا طائفيا ولا منظرا دينيا، بل واحدا من أهم العقول التي اشتغلت على سؤال الدولة الوطنية والمواطنة في مصر و انطلق من خلفيته العلمية كمهندس ليقدم مشروعا فكريا عقلانيا يؤمن بأن مصر لا تدار بالعاطفة وحدها، بل بالتخطيط والعقل والعدل الاجتماعي في كتابه الشهير «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية» قدم قراءة عميقة للهوية المصرية بوصفها تركيبا حضاريا متعددا، يجمع بين الفرعونية والعربية والإسلامية والمسيحية والمتوسطية والإفريقية، مؤكدا أن التنوع مصدر قوة لا تهديد و دافع ميلاد حنا عن الدولة المدنية، ورفض اختزال الهوية في بعد واحد، وظل صوته حاضرا في النقاش العام بوصفه مثقفا وطنيا يرى في المواطنة أساس الاستقرار والنهضة.
ثم ندخل منطقة الأسئلة الصعبة، حيث لا كتابة بلا صدام مع المألوف حيث أضاء المكتبة العربية مفكر وناقد أدبي ومجدد ثقافي وهو الكاتب لويس عوض الذي أثار جدلا واسعا، لكنه ظل أحد أهم دعاة التحديث والتنوير في الثقافة المصرية وكان كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية» من أهم الكتب الذي تبارى لدرسها الباحثين في مجال اللغة العربية ، وكان كتابه « ثورة الفكر في عصر النهضة الأوروبية» تأثيره الكبير على مؤلفات العديد من الكتاب والمفكرين الذين لحقوه إذا أسهمت رؤاه في تحديث الثقافة والانفتاح على الفكر الإنساني و تطوير النقد الأدبي والدراسات الثقافية وكان مدافعا قويا عن التنوع الثقافي والحضاري بوصفه مصدر قوة للهوية المصرية.
أما المثقف والباحث والمؤرخ الاستثنائي كمال الملاخ لم يكن ينظر إلى الماضي كزمنا منتهيا، بل جذورا حية للحاضر ، فأصبح عالما للآثار وحارسا للذاكرة المصرية وأسهم كمال الملاخ في ربط المصريين بجذورهم الحضارية عبر علم الآثار والثقافة والفن ، فكان هو من اكتشف مركب خوفو و اول من أسس مهرجان القاهرة السينمائي وساهم في تأسيس جمعية كتاب ونقاد السينما ، وكان شغله الشاغل حماية التراث بوصفه أساس الهوية الوطنية و تعزيز الوعي بالحضارة المصرية القديمة ليؤكد أن الحضارة المصرية ملك لجميع أبنائها.
و بين الحماسة وعشق الوطن ، اختار التاريخ الهادئ والدقيق. مؤرخ الدولة الوطنية يونان لبيب رزق الذي تميز بموضوعيته ونزاهته العلمية في كتابة التاريخ المصري الحديث فقام بتدوين «تاريخ الوزارات المصرية» وكانت مقالاته دليلا لقراءة التاريخ و لفهم الحاضر وبناء المستقبل مما جعلها مرجعا أساسيا في التاريخ الوطني لإيمانه بأن الوعي بالتاريخ أساس الانتماء.
حين تضيق السياسة، تتسع القصيدة لتقول ما لا يقال مباشرة وهذا ما ستجده مع شاعر وصحفي وصوت إنساني مثل يوسف فرنسيس الذي يعد نموذجا للمثقف الذي جعل الكلمة في خدمة الوطن وكان كل ما يكتبه من شعر في حب الوطن وبرع ك صحفي وجعل كلمته أداة لبناء الوعي الجمعي وكان له حضور مؤثر في المشهد الثقافي و عبر عن هموم الوطن والإنسان.
أما في القرن العشرين ومع زمن الضجيج، اختار الكاتب الصحفى لويس جريس لغة المقال الهادئ طريقا للتنوير ليصبح أحد أبرز الأصوات العقلانية في الصحافة الثقافية المصرية
وتصبح مقالاته الفكرية والثقافية أحد أهم اسلحة الدفاع عن حرية الإبداع و الدولة المدنية، واعمال العقل النقدي وترسيخ المواطنة وبذل جهدا كبيرا فى تشكيل وعي القارئ العام عبر الصحافة و آمن بمصر وطنا جامعا يتسع للجميع.
و قبل أن يصبح الحديث عن حقوق المرأة شائعًا، كانت إستر ويصا تخوض معركتها في صمت وإصرار كرائدة نسوية ومناضلة وطنية تنتمي إستر إلى الجيل الأول من رائدات الحركة النسوية المصرية، وارتبط نضالها بتحرير المرأة والوطن معا و الدفاع عن تعليم المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية و الربط بين تحرر المرأة ونهضة المجتمع وكانت نموذج مبكر للمرأة المصرية الفاعلة في المجال العام و قد شاركت في الحركة الوطنية وكانت جزءًا من الوعي الجمعي المصري.
ومن أحدث الكاتبات المصريات كاتبة استطاعت أن تثبت أن ليست كل الكتابات النسوية صاخبة، فبعضها يغير العالم همسًا. مثلما تفعل القاصة والروائية أليس جابر وهي صوت نسوى هادئ.
تمثل أليس جابر واحدة من الأصوات الأدبية التي انحازت للإنسان البسيط، وقدمت كتابة شفيفة تميل إلى التأمل والهدوء، وتعبر عن الداخل الإنساني بصدق بعيدًا عن الادعاء سواء في القصة القصيرة أوالمقالات الثقافية وهي تنحاز للمرأة والإنسان المهمش دون شعارات مباشرة وعبرت عن الحياة المصرية بوصفها حياة يومية مشتركة وتفاصيل إنسانية جامعة. و مع الجيل الجديد، يعود السؤال الإنساني في صيغة أكثر هشاشة وصدقا ، يعد هاني منسي من الأصوات السردية المعاصرة التي انشغلت بالإنسان في مواجهة واقعه الاجتماعى والنفسى، مع ميل واضح إلى التجريب وتحليل الداخل الإنسانى وظهر هذا واضحا في أبرز الأعمال : «سنكسار، وقرموط الست» حيث يعمل على مساءلة الواقع الاجتماعي، والبحث في الهشاشة الإنسانية ول هانى منسي حضور فاعل في الصالونات والمنتديات الثقافية ودعم الكتاب الشباب و ينطلق في كتابته من رؤية إنسانية تعتبر الوطن مساحة للعدل والاختلاف الخلاق.
الشاعر المثقف .. البابا شنودة الثالث
وفي هذا السياق، يبرز البابا شنودة الثالث لا باعتباره رجل دين فحسب، بل شاعرا وكاتب مقال ومثقفا مصريا امتلك ناصية اللغة، وأدرك قوة الكلمة في تشكيل الوجدان العام، فكان خطابه جزءا من الثقافة الوطنية، لا معزولا عنها ، إن استعادة هذه الأسماء اليوم ليست مجرد تكريم للماضي، بل تذكير بأن قوة الثقافة المصرية تكمن في تنوعها، وأن وحدتها الحقيقية تصنع بالعقل والإبداع والإيمان العميق بمصر وطنا جامعا للكل عندما يتحول الإيمان إلى مشروع وطني جامع، تبرز تجربة البابا شنودة الثالث ، فهو لم يكن مجرد رأس ديني للكنيسة القبطية، بل كان مثقفا موسوعيا وشاعرا ومفكرا، محبوبا من كل المصريين ، يأتنسون لحديثه وقفشاته الذكية وحديثه الروحي الطيب ، وقصائده المبدعة ،
لعب دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الوطني في لحظات شديدة الحساسية من تاريخ مصر. آمن بأن الكنيسة جزء أصيل من الوطن، وأن الأقباط شركاء كاملون في مصير الدولة، فدافع عن فكرة الانتماء لمصر قبل أي انتماء آخر.
اتسم خطابه بالحكمة وضبط النفس، وسعى إلى ترسيخ قيم الحوار والتعايش، رافضا العنف والانعزال.
وبثقافته الواسعة وكتاباته المتعددة، أسهم في بناء جسور بين الدين والثقافة، وبين الإيمان والعقل، ليؤكد أن الوطنية ليست شعارا، بل ممارسة يومية ومسئولية أخلاقية تجاه الوطن.
تكشف سيرة هؤلاء الأدباء والمفكرين الذي يحتاج كل منهم لملف خاص يحكى سيرته الأدبية والوطنية المشرفة أن الوطنية الحقة لا تقاس بالانتماء الديني، بل بعمق الإسهام في بناء الوعي العام وخدمة المجتمع. .لقد كتبوا وفكروا واجتهدوا بوصفهم مصريين اولا، وأسهموا في ترسيخ قيم العقل، والتنوير، والعدالة، والانتماء.
إن استعادة هذه الأسماء اليوم ليست مجرد تكريم للماضي، بل تذكير بأن قوة الثقافة المصرية تكمن في تنوعها، وأن وحدتها الحقيقية تصنع بالعقل والإبداع والإيمان العميق بمصر وطنا جامعا لكل أبنائه.









