تقف زهور مايو في مدينة حلوان شهادة حية على معنى التكاتف الوطني حين يصبح واقعًا يوميًا، وليس شعارًا موسميًا.. أُسر الزهور لا تكاد تفرق بينهم فى الديانة بأى شكل، فى العيد نسبة المسلمين داخل كنيسة البابا شنودة فى كل وقت تقارب نسبة المسيحيين، والعكس واقع فى المسجد.. بل ويأتي عيد الميلاد كل عام، فيتحول المكان إلى ما يشبه عيد وطنى، بداية من ليل 6 يناير مع قداس العيد.تشعر مع دخول الكنيسة أن أبناء المنطقة وأهلها جميعا داخل الكنيسة .. ولا يوجد أفراد فى الشوارع أو المنازل فالجميع يحتفل ويبتهج مطمئن آمن.. احتفال حقيقى فى قلوب كل مسلم ومسلمة قبل مسيحى ومسيحية.. تمتلأ ساحة كنيسة البابا شنوده الثالث بهم جميعا.. أطفال يحفظون معا «الألحان الفرايحى» ويرددونها..ثم صبيحة يوم العيد ومنذ الفجر، ترى المسلمين في ساحة الكنيسة ينظفون الأرض، يفرشون الحصير، يرتبون المقاعد، ويستعدون لاستقبال المهنئين.. لا تكليف ولا تعليمات.. فقط شعور تلقائي بأن الفرح مسؤولية مشتركة.. حيث تمتد التهانى بلا حواجز، وتذوب الفواصل فى ابتسامات صادقة.
لسنوات طويلة عاش أهل «زرايب مايو» على هامش مساكن بدائية أقرب للعشش، خدمات غائبة، وحياة بلا حياة.. ثم جاء سيل 2020، حينما أغرق العشش.. لحظات الرعب أنقذت فيها المسيحية أبناء جارتها المسلمة، وأعان المسلم جيرانه المسيحيون كى ينجو بحياتهم .. ولأن الكنيسة هى أعلى نقطة فى المنطقة فقد كانت تحتوى أبناء المنطقة الزائد عددهم عن 3 آلاف نسمة.
وقتها اتخذت القيادة السياسية قرارها بإنشاء مدينة «زهور مايو» حيث يتوافر لكل أسرة شقة ومنطقة لفرز النفايات، وحظيرة لتربية المواشي.. وانتقلت الأسر إلى شقق لائقة، مفروشة بالأجهزة، متصلة بالمرافق، دون أن تتحمَّل تكلفة..خطوة بدت في ظاهرها إسكانًا، لكنها في جوهرها إعادة تعريف لمعنى المشروعات الوطنية.. هنا لم تُبنَ الجدران فقط، بل أُعيد الاعتبار للإنسان، وتغيّر الإيقاع اليومي للحياة من انتظار المجهول إلى التخطيط للغد..«زهور مايو» ليست قصة إسكان ناجح فحسب، بل نموذج عملي لمعنى بناء الإنسان.. حين تتكامل الرعاية الرئاسية مع وعي المجتمع، تتحول الرغبة إلى ثقافة، والمكان إلى رسالة.. رسالة تقول إن التنمية الوطنية للجمهورية الجديدة بدأت من الإنسان، وتحيا بالتكافل، وتستمر حين يشعر الجميع أنهم شركاء .. تشارك المسيحيون فى بناءمسجد الزهور والآن يتسابق المسلمون للمشاركة فى تشييد كنيستها.. كلمة تتردد على ألسنة جميع أهالى المنطقة «أبونا زرع المحبة» يقصدون القس اثناسيوس رزق راعى الكنيسة.. عشت لفترة زمنية فى المنطقة لتصوير فيلم وثائقي عنها.. فوجدت هذا المعنى بشكل يومى.. القس اثناسيوس يحفظ أهالى المنطقة عن ظهر قلب،ويوم العيد يتفقد الحاضرون والمهنئون، ويقدم لهم الهدايا والعيديات، ثم يسأل كل أسرة من غاب عنها صغيرًا أو كبيرًا.. وذات مرة سأل «أم محمد»عن سعيد «مجاش ليه» فأخبرته بأنه مريض، فترك الزحام والمهنئين وأخذ يسألها عن مرضه وحاله وصحته.. رغم أن سعيد طفل لم يبلغ العاشرة من عمره.. وهى حالة عشق وطنى يعيشها الأهالى الآن وفى كل لحظة من ثمار هذا الزرع.
مشهد الاحتفال المشترك يتكرر بين أهالى الزهور أربع مرات فى العام، فى عيد الميلاد، وعيد الفطر وعيد القيامة، وعيد الأضحى.. القداس هناك فرحة وزحام الكنيسة بالمسلمين قبل المسيحين.









