خلال احدى زيارات وفد للصحفيين الأفارقة الى مصر تعرفت عليه.. انسان هادئ ووديع .. ومثقف وحكيم..
صحفى وكاتب من بوروندى.. صاحب بشرة سمراء وقوام ضئيل وقلب كبير.
تصادقنا من أول يوم وتبادلنا أطراف الحديث .. ناقشنا كل القضايا بصراحة وموضوعية..
الحقيقة انها كانت الزيارة الاولى له لمصر.. لاحظت انبهاره بأمجاد حضارة الفراعنة والاهرامات وابى الهول.. وبروعة وجمال قاهرة المعز.. وعروس البحر المتوسط الاسكندرية.. ومدينة بورسعيد الحرة..اتسمت حواراثنا بالصراحة.. وأثناء زيارة مجمع الاديان بمصر القديمة شرحت له تاريخ اول مسجد بنى فى مصر وافريقيا باسم عمرو بن العاص والملقب ب» تاج الجوامع «.. والذى امر ببنائه الصحابى الجليل عام 21 هجرية 641 ميلادية فى مدينة الفسطاط التى أنشأها لتكون ملتقى القادة المسلمين بعد الفتح ..ثم أبدى اعجابه بالكنيسة المعلقة المبنية فوق برجين فى حصن بابليون الرومانى.. وشاهدنا أرضية الكنيسة من جزوع النخيل وزرنا منطقة السبع كنائس ومعبد عزرا اليهودى فى نهاية الطريق .. حكيت له كذلك عن رحلة العائلة المقدسة الى مصر.. وقلت له انها لم تكن نزهة لكنها كانت رحلة هروب الخير من وجه الشر المتمثل فى هيرودس الامبراطور الرومانى الذى خشى على مملكته من المولود الموعود بمملكة «كرسى داوود أبيه » -كما سمع من المجوس القادمين من بلاد فارس – الذين قادهم النجم الكبير.. فأمر بقتل جميع اطفال بيت لحم..
حكيت له عن محطات الرحلة التى قاربت الأربع سنوات فى البلد الوحيد الذى زاره السيد المسيح لينال بركة عظيمة؛ وذلك تحقيقا للعديد من النبوءات فى العهد القديم.. مثل «من مصر دعوت ابنى».. و «يكون لى مذبح فى وسط أرض مصر» .. و« ترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر فى داخلها ».
لاحظ صديقى القادم من بوروندى أن كل كنيسة يجاورها مسجد .. ليس فى مصر القديمة وحدها ولكن فى كل محافظة كنا نزورها.. فى مدخل مدينة الاسكندرية.. وفى بورسعيد ..
وفى اليوم الثالث لزيارة الوفد الإفريقى ..وبعد أن أصبحنا صديقين.. انضم الينا صديق مصرى ثالث.. وهنا التمس الصديق البوروندى فرصة تواجدنا سويا على انفراد وسألنى على استحياء هل انت مسيحى؟ .. أجبته نعم..
وصديقنا الثالث؟
قلت له انه مسلم..
وهنا أبدى تعجبه من قدر الحب والمودة التى نتعامل بها معًا .. فأفصح لى عن دهشته وقال متعجبا حقيقة لم ادرك فى ثلاثة أيام صاحبتكما خلالها ايكما المسلم من المسيحى..
وهذا السؤال وجهه لى ونحن على مشارف مدينة بورسعيد فى أتوبيس الرحلة.. وعندئذ أشرت الى مدافن المسيحيين ذات التصميم المعمارى المميز.. ثم أشرت بعدها مباشرة الى مدافن المسلمين الملاصقة لها بتصميم معمارى مختلف الى حد ما.. فلا يفصل بينهما الا سور منخفض.
وعندئذ تعمقت فكرة وحدة الوطن والقلب والمصير الذى يضم كل المصريين فى قالب واحد.. أرض واحدة ونيل واحد وشمس خالدة وعلم واحد.. فوقف أمام المقابر ورفع يده صارخا.. «ولا حتى الموت يفرق بينكم»!
أجبناه نحن الاثنين فى نفس واحد.. : «ولا حتى الموت».









