استيقظ العالم السبت الماضى على العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا، واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، فى خطوة تصعيد غير مسبوقة فى المواجهة بين واشنطن وكراكاس، بعد أشهر من الحشد العسكرى، بما يذكّر بما قامت به أمريكا من القبض على الرئيس العراقى صدام حسين فى العام 2003 فى عملية أطلقوا عليها «الفجر الأحمر»، فى مهمة نفذتها قوة كوماندوز «دلتا فورس» وعثر على صدام فى ملجأ تحت الأرض، بعد 12محاولة فاشلة للعثور عليه.
ووحدة «دلتا فورس»، إحدى أكثر وحدات النخبة غموضا وسرية فى الجيش الأمريكي، وقد تصدرت المشهد عقب إعلان الرئيس ترامب القبض على مادورو، وقد شاركت الوحدة فى عدد كبير من العمليات العسكرية حول العالم.
وتتعدد الملفات الخلافية بين أمريكا وفنزويلا منذ تولى مادورو الرئاسة للمرة الأولى عام 2013، ولم تعترف واشنطن بشرعيته وفرضت فى 2019 حظرا على النفط الفنزويلى لضربَ الاقتصاد، ووجِّهت إلى مادورو تهمة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، وعرضت 50 مليون دولار مقابل أى معلومات تتيح اعتقاله، وأن كراكاس مسئولة عن دخول عدد كبير من المهاجرين الولايات المتحدة، ودفعت مئات الآلاف من الذين كانوا فى السجون ونزلاء مستشفيات الأمراض النفسية.
ونفى مادورو الاتهامات، وقال إن واشنطن تسعى إلى الاستيلاء على نفط بلاده، وقطعت كاراكاس العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة واتهمتها بالتدخل فى شئونها.
وبالنظر إلى ما ذكر من خلافات، يثور سؤال مهم، هل لم يكن أمام واشنطن سبيل لحلها إلا بالقوة العسكرية واعتقال رئيس وزوجته، أظن أن الإجابة واضحة من رد الفعل الدولي، الذى تركز على ضرورة احترام القانون الدولي، ووصفت بعض الدول العمل بأنه عدوانى مسلح والأمر مثير لقلق بالغ ويستحق الإدانة، وأن الذرائع لتبرير هذه الأفعال لا أساس لها من الصحة، وكان من الضرورى منع أى تصعيد والتركيز على إيجاد مخرج للأزمة عبر الحوار.
وأعربت دول عن معارضتها الشديدة للعملية وتشعر بصدمة عميقة وتدين بشدة الاستخدام الصارخ للقوة ضد دولة ذات سيادة وتصرفها ضد رئيسها، وأن مثل هذا السلوك القائم على الهيمنة يهدد السلام والأمن، ومنها من وصف هذه الأفعال بأنها استهانة وسابقة بالغة الخطورة للمجتمع الدولي، وأن أى حل سياسى لا يمكن فرضه من الخارج، والشعوب وحدها تقرر مصيرها.
وهناك من دعا مجلس الأمن إلى التحرك فوراً لوقف العدوان، ومحاسبة المسئولين عنه، والإفراج عن مادورو وزوجته، وبعض الدول دعت إلى ضبط النفس والتهدئة وأخرى تتابع الوضع بقلق بالغ، وتراقب التطورات ويجب إعطاء الأولوية للحل السلمى والحوار.
وعلى النقيض، كان لأصحاب المصالح رأى مخالف، ورحبت بعض الدول بالعملية، بحجة أن الشعب الفنزويلى عانى فى ظل الطغيان، إن مادورو قاد بلاده إلى الخراب، ومتورط فى تجارة المخدرات، واعتبر البعض أن العملية تندرج فى إطار الدفاع المشروع.
الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل قال ترامب سندير فنزويلا لحين الانتقال الآمن للسلطة، فى حين أصدرت المحكمة العليا الفنزويلية قرارًا بتولى نائب الرئيس ديلسى رودريجيز 56 عامًا رئاسة الدولة، وأدانت العملية، ووصفت اعتقال مادورو وزوجته بأنه خطف غير قانوني، وما يحدث وحشية، وفنزويلا لن تكون مستعمرة لأحد.
وبما أن العملية لم تكن تقتصر على فنزويلا، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكى بأن كوبا قد تكون الهدف التالى لاستعادة الهيمنة الأمريكية فى النصف الغربى من الكرة الأرضية، ووجه ترامب تحذيرا شديد اللهجة لرئيس كولومبيا التى أعلنت نشر قوات على حدودها.
النتيجة والمحصلة، أننا نعيش عصر القوة والهيمنة واستعراض العضلات، ولا عزاء لقانون دولى ولاإنسانى، ولا قيمة لأى منظمة دولية، وأن ما يسمى بالمجتمع الدولى مجرد وهم وخيال، ولاتوجد تحالفات تشارك فى الدفاع عن بعضها، وتأكد أنها مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، ولن تزج أى دولة بنفسها فى حرب من أجل أخرى.
وأخيرا، إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، ولن يحميك إلا قوتك، ولا تعول على أحد، وإن «الفجر الأحمر» مستمر، من صدام إلى مادورو، ولا أحد يدرى «الدور على مين»!!!.









