نميل جميعًا للتفاؤل مع البدايات، نحتفل ونحتفى وندعو أن يكون العام الجديد حاملاً للسلام والاستقرار. بطبيعة الإنسان الذى يميل للخير شرقيًا كان أم غربيًا، عربيًا كان أم أعجميًا، مسلمًا كان أم غير مسلم، فالخير فيه فطرة والسلام له ضرورة ورغم ذلك لم يكن العالم على موعد مع صفحة بيضاء بقدر ما كان أمام مرآة قاسية تعكس ما تراكم من أزمات لم تُحل، وجرائم لم تُحاسب، وخطابات كراهية وجدت فى الفوضى تربة خصبة للانتشار، فالحسابات لم تنته بعد!
فى أسبوع واحد فقط، رصده تقرير مرصد الأزهر، تكثفت ملامح مشهد عالمى مرتبك؛ فلسطين تُستنزف ديموغرافياً، والتطرف يعيد تشكيل نفسه فى خرائط جديدة، والمسلمون فى قلب العالم المتقدم يدفعون ثمن الخوف والتحريض والتمييز.
ثلاث قضايا كبرى لاتزال ترسم ملامح بداية عام لا يشبه وعوده ولا الآمال المعقودة عند «بعض» المتفائلين.
أولاً: فلسطين.. إعادة هندسة الألم تحت لافتة الأمن
القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسى طويل الأمد، بل تحولت فى الوقت الحالى إلى مختبر مفتوح لإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان والوعي. ففى قطاع غزة، تتبلور تفاهمات إسرائيلية ـ أمريكية تقوم على إعادة إعمار «مشروطة» داخل ما يُعرف بالخط الأصفر، أى فى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، بما يعنى فرض واقع سكانى جديد يُدار أمنياً من الخارج، ويُقايض فيه البقاء الإنسانى بنزع سلاح المقاومة.
هذه الخطط لا تنفصل عن سياق أوسع من السيطرة الدينية والرمزية، تجلّى فى السماح للمستوطنين، ولأول مرة منذ خمسة وعشرين عاماً، بالبقاء ليلاً فى محيط قبر يوسف بنابلس، وفى مناقشة الكونجرس الأمريكى تشريعاً يتحدث عن «السيادة الإسرائيلية» على المسجد الأقصى تحت مسمى الحرية الدينية، بالتوازى مع إعادة الامتيازات الضريبية لجمعيات تدعم اقتحامات الحرم.
وفى قلب هذا المشهد، تتراجع الأرقام لتصبح شواهد دامغة على مأساة إنسانية كبري؛ انخفاض عدد سكان غزة بنحو مائتين وأربعة وخمسين ألفاً «245.000» نسمة خلال عامين، وتضرر أربعة وتسعون فى المائة «94 ٪» من المرافق الطبية، فى واحدة من أخطر عمليات استنزاف المستقبل الفلسطيني.
ورغم هذا الانحياز الصارخ، برزت مواقف دولية كاشفة للتناقضات الأخلاقية؛ الصين واصلت تمسكها بخطاب القانون الدولى ووقف إطلاق النار، فيما شهدت إسبانيا حراكاً شعبياً غاضباً ضد «إبادة الأطفال»، وخطوات رسمية باستبعاد منتجات المستوطنات من الامتيازات الجمركية، قبل أن تتراجع أخلاقياً بالسماح باستيراد تكنولوجيا عسكرية من الاحتلال بذريعة حماية الوظائف. إنه مثال صارخ على ما أطلقنا عليه فى مرصد الأزهر بـ «الالتفاف الأخلاقي» على معاناة المدنيين.
ثانياً: خارطة التطرف.. حين يتخفّى العنف ويغيّر جلده
يدخل عام 2026، والتطرف أكثر مرونة وأقل وضوحاً. لم يعد يعتمد على تنظيمات مركزية صلبة، بل على خلايا صغيرة، وأفراد، ومساحات رقمية، تستغل هشاشة الدول وتآكل العدالة.
فى سوريا، كشفت حصيلة عام 2025 مقتل أكثر من تسعة آلاف شخص، غالبيتهم من المدنيين، فى مشهد يؤكد أن مرحلة ما بعد سقوط النظام لم تُنتج سلاماً، بل فوضى مسلحة ونزاعات محلية يغيب عنها القانون.
وفى العراق، ورغم النجاحات الأمنية فى تفكيك خلايا داعش وضبط آلاف الوثائق، حذرنا فى المرصد من أن التنظيم تحوّل إلى تهديد فكرى وإعلامى متنقل، لا يمكن اجتثاثه بالحلول الأمنية وحدها.
أما السودان، فيقدّم نموذجاً أكثر قتامة؛ قصفاً عشوائياً.. نزوحاً جماعياً.. عنفاً جنسياً ممنهجاً.. وحرباً تحوّلت إلى إبادة مجتمعية مكتملة الأركان.
وفى غرب أفريقيا والنيجر والصومال، يتواصل العنف المسلح مستهدفاً المدنيين ودور العبادة، بهدف تفكيك النسيج المجتمعى وضرب فكرة الدولة نفسها.
حتى آسيا لم تكن بمنأى عن هذا التحول؛ ففى الهند، تصاعدت النزعات الطائفية والتحريض العلنى بالسلاح الأبيض عبر وسائل التواصل، وفى باكستان سُجّل أكثر الأعوام دموية خلال العقد الأخير، مع استهداف المدارس والأطفال وتجنيد القُصّر رقمياً.
الخلاصة التى يصل إليها المرصد واضحة: التطرف لم يختفِ، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات جديدة، مستفيداً من الفوضى الرقمية، والفراغ السياسي، وضعف الخطاب القيمي.
ثالثاً: المسلمون والإسلاموفوبيا.. التمييز كسياسة غير معلنة
فى قلب أوروبا، حيث تُرفع شعارات الحرية والمساواة، يواجه المسلمون واقعاً متناقضاً.
ففرنسا تشهد تصاعداً فى الاعتداءات اللفظية والجسدية تجاه المسلمين، وعراقيل إدارية أمام بناء المساجد، تُحوّل النقاش من تخطيط عمرانى إلى صراع هوية. ووفق بيانات الاتحاد الأوروبي، تعرّض نحو سبعة وأربعين فى المائة «47 ٪» من المسلمين للتمييز خلال عام واحد فقط.
فى بلجيكا وإسبانيا، تتكرر المشاهد نفسها: عراقيل إدارية، خطاب كراهية رقمى يستهدف المغاربيين والنساء المحجبات، وبيئات عمل لا توفر الحماية الكافية. وفى الوقت ذاته، تستغل التنظيمات المتطرفة هذا المناخ، كما فى إسبانيا، حيث دعت «داعش» إلى هجمات فردية، وسجّلت السلطات مائة اعتقال مرتبط بالإرهاب، مع محاولات مقلقة لتجنيد الأطفال عبر منصات الألعاب الإلكترونية.
ورغم قتامة الصورة، لا يخلو المشهد من ومضات إنسانية؛ فقد شاهدنا مبادرات مدنية، وحالات تضامن عابرة للأديان، تؤكد أن المجتمعات لم تفقد قدرتها على مقاومة الكراهية، إذا وجدت من يحمى هذا المسار ويدعمه.
يكشف هذا الأسبوع الأول من العام أن العالم لا يواجه أزمات متفرقة، بل اختباراً شاملاً لقيمه. من فلسطين التى تُستهدف فيها الحياة والمستقبل، إلى تطرف يتخفّى فى الفوضي، إلى تمييز يُشرعن باسم الحياد؛ تتآكل البوصلة الأخلاقية على نحو مقلق.
ونؤكد من خلال مرصد الأزهر أن المواجهة الحقيقية تكون أمنية وفكرية وتنموية وأخلاقية فى المقام الأول. فاستعادة قيم الوسطية، والعدل، والتعايش، لم تعد ترفاً فكرياً، بل شرط أساسى لحماية الإنسان، حتى لا تتحول آمال الشعوب مع كل عام جديد إلى مجرد أرقام فى سجلات الفقد والمعاناة.
وكل أسبوع ومصر والعالم أجمع فى سلام!









