سقوط مدو وانهيار للاقتصاد الإسرائيلى.. والدين الداخلى يتجاوز 300 مليار دولار
لم تقتصر حرب الابادة الجماعية التى انتهجتها اسرائيل ضد شعب فلسطين، والتى راح ضحيتها عشرات الآلاف من ابناء غزة على القصف المدفعى وتدمير للمنازل ودفع الفلسطينيين الى النوم فى الخيام الممزقة تحت هذا البرد القارس ونقص الطعام وانتهاك براءة الأطفال الذين يتضورون جوعاً، وانتشار الأوبئة وتدهور الأوضاع الإنسانية. فقد ذكر تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) ان حرب غزة تسببت فى انكماش وانهيار غير مسبوق للاقتصاد الفلسطيني، مما يعنى خسارة 22 عاماً من التنمية، مشيرا إلى أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن ذلك تعد من بين أسوأ 10 أزمات اقتصادية عالمياً عام 1960، وأن التعافى قد يستغرق عقوداً، حيث تراجع الاقتصاد الفلسطينى بأكثر من 30 %، مع ارتفاع الزيادة السكانية 3 % ، بما يعنى اتساع دائرة الفقر والبطالة.
كما تراجعت خدمات الصحة والتعليم، وانهار الناتج المحلى الإجمالى فى غزة بنسبة 83 %، ليبلغ الآن 13 % فقط من حجمه عام 2022، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والبنك الدولي.
ويتطلب إعادة إعمار قطاع غزة أكثر من 70 مليار دولار، لأن ازالة الأنقاض قد تستغرق 22 عاما، وازالة الذخائر غير المنفجرة قد يستغرق عشر سنوات. وتضررت 86 % من الأراضى الزراعية، ولم يتبقَّ سوى 1.5 % منها صالحة للاستخدام، ودمر 89 % من مرافق المياه والصرف الصحى والبنية التحتية، بالإضافة الى ان تلوث التربة بالمتفجرات سيتطلب تدخلا دوليا واسع النطاق.
وبحسب تقرير (أونكتاد)، فإنّ الأضرار الجسيمة التى لحقت بالبنية التحتية والخدمات العامة محت عقوداً من التقدّم الاقتصادى فى الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث قامت إسرائيل بتدمير ومحو أكثر من 90 % من المنشآت الصناعية والتجارية فى قطاع غزة، كما تعدت نسبة البطالة 90 %، لذلك قالت منظمة اليونيسيف إن العدوان الإسرائيلى على غزة دمّر اقتصاد القطاع تدميرًا كاملًا، ماحيًا بذلك سبعة عقود من التنمية.
كما عانت الضفة الغربية أيضاً من تراجع وانكماش الاقتصاد جراء إغلاق الاحتلال للمعابر ومنع 200 ألف عامل فلسطينى من العمل فى إسرائيل، واستيلاء إسرائيل على أموال المقاصة التى تزيد على 11 مليار شيكل، ومصادرة الأراضى الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني.
حرب غزة لم تكن من نتائجها الوحيدة إسقاط الاقتصاد الفلسطينى وتشريد الفلسطينيين، بل كان لها نتيجة مهمة جدا فى إسقاط إسرائيل لنفسها اقتصادياُ سقوطاً مدوياُ. فلم تعد إسرائيل الأرض التى تفيض لبناً وعسلاً كما يصفها الكتاب المقدس وكما تغنت بها الحركات الصهيونية ورجال الدين اليهودي، فحرب غزة أصبحت وبالاً على الاقتصاد الإسرائيلى الذى تكبد خسائر فادحة ستستمر لسنوات طويلة قادمة وستؤثر بالسلب على المواطن الإسرائيلى وستدفعه للهجرة العكسية الى الولايات المتحدة والى الدول الاوروبية هرباً من جحيم اسرائيل وتخوفاُ من ردود الأفعال على المدى القريب والبعيد.
على الرغم من تصنيف مجلة (إيكونوميست) لإسرائيل على أنها رابع أنجح اقتصاد بين الدول المتقدمة لعام 2022، وعلى الرغم من تصنيف صندوق النقد الدولى للناتج المحلى الإجمالى لإسرائيل بنحو 564 مليار دولار أمريكي، الا ان تل أبيب سقطت وانهارت اقتصادياً على أسوار غزة، وما زالت تترنح نتيجة هذا السقوط المخزي، حيث قدر وزير المالية الاسرائيلى بتسلئيل سموتريتش التكلفة الاجمالية للحرب بنحو 100 مليار دولار، كما صادق الكنيست على تحويل 9.17 مليارات دولار إضافية لوزارة الدفاع، وبلغت ميزانية اسرائيل عام 2025 نحو 240.45 مليار دولار منها 32.8 مليار دولار مخصصة لاحتياجات الجيش والعمليات العسكرية.
وتواجه إسرائيل ايضاً عجزًا متزايدًا فى الموازنة العامة، حيث قدرت وكالة «بلومبرج» حجم الخسائر الاقتصادية الهائلة التى تكبدها الاقتصاد الإسرائيلى خلال فترة الحرب بنحو 63 مليار دولار، تشمل رواتب جنود الاحتياط والذخيرة وأنظمة الدفاع، والنفقات العسكرية، والتعويضات، وإغلاق المطارات، وتراجع السياحة.
ومن عواقب حرب غزة أيضًا انخفاض إنفاق المستهلكين الإسرائيليين بنسبة 27 %، وانخفاض الواردات بنسبة 42 %، وانخفاض الصادرات بنسبة 18 %. . فالاقتصاد الإسرائيلى تلقى سلسلةَ صدمات حادة نتيجة تصعيد الحرب على القطاع. وترى صحيفة هأرتس أن النمو قد يكون أقلا، ويتراوح بين 1 % و2 %، فى ظل استمرار تبعات الحرب على مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويشير بنك اسرائيل إلى أنه فى حالة استمرار الحرب خلال عام 2026 سيؤدى إلى تفاقم الضرر الاقتصادي، حيث أشار معهد ألروف لأبحاث العقارات فى جامعة تل أبيب إلى انخفاضٍ بنسبة 24 % فى صفقات بيع المنازل، ويعد هذا القطاع من الركائز الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي، ويسهم بنحو 6 % من الناتج المحلى الإجمالي، ويوفر فرص عمل لعشرات الآلاف من الإسرائيليين والفلسطينيين.
أما قطاع الطاقة والغاز الطبيعي، فقد شهد تأثيرات مباشرة للحرب، حيث توقّف الإنتاج فى بعض الحقول البحرية، وتم تعليق الصادرات مؤقتا، مما أدى إلى خسائر مالية مباشرة وتأثيرات سلبية على ميزانية اسرائيل تقدر بعشرات مليارات الدولارات، وخسارة حوالى مليون دولار كل أسبوع بسبب توقف حقول الغاز.
بينما شهدت الصناعات العسكرية الإسرائيلية صدمات كبيرة نتيجة الحرب، إذ ألغت عدة دول عقود أسلحة مع تل أبيب مع توقع انخفاض واضح فى صادرات الدفاع بحلول عام 2026، وتوقعات بضربة موجعة لهذه الصادرات عام 2027، مما دفع وزير المالية الإسرائيلى للقول: «نحن فى أطول حرب وأكثرها تكلفة فى تاريخ إسرائيل، وأن تكلفة العمليات العسكرية قد تتراوح بين 54 مليار دولار و93 مليار دولار، مما قد يؤدى لانكماش نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى بنسبة 0.1 %، وفقاً للبنك الدولي.
فى الوقت نفسه أدى تراجع العمالة، نتيجة استدعاء أكثر من 360 ألف جندى احتياطى فى بداية الحرب، إلى إفلاس أكثر من 46 ألف شركة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية بنسبة 60 % تقريباً، كما ارتفعت نسبة الإسرائيليين الذين غادروا لدول أخرى لنحو 285 % .
وامتد التأثير إلى قطاع الطيران الإسرائيلى حيث علّقت عشرات شركات الطيران العالمية عملها فى إسرائيل، وألغت مئات الرحلات اليومية إلى مطار بن جوريون بنسبة 40% ، كما تم إجلاء ما يقارب 250 ألف إسرائيلى من منازلهم من الجنوب والشمال ليتم إيواؤهم فى 438 فندقا وهو ما كلف الوزارات الحكومية 1.8 مليار دولار.
كل هذه التداعيات أجبرت حكومة بنيامين نتنياهو لإقرار زيادة غير مسبوقة فى ميزانية الدفاع تبلغ 107 مليارات دولار تُوزّع على عشر سنوات، ورفع الإنفاق العسكرى بنحو 70 % مقارنة بما كان مخصصًا قبل الحرب على غزة. كما ذكر مكتب وزير الدفاع الإسرائيلى أن ميزانية الدفاع لعام 2026 ستبلغ 34.63 مليار دولار.
كما طالب نتيانياهو بالتكيّف مع اقتصاد يقوم على الاكتفاء الذاتى ويدور حول هدف استراتيجى لتقليل الاعتماد على الخارج، خاصة فى قطاع الأسلحة، لمواجهة تحديات العزلة المتزايدة، بعد الصراعات المستمرة فى ظل ضغوط دولية محتملة، وهو ما أثار ردود أفعال سلبية تجاه نتانياهو من قبل الإسرائيليين .
فقد شكلت الحرب الإسرائيلية على غزة صدمة غير مسبوقة للاقتصاد الإسرائيلى نتيجة التضخم والتراجع الحاد فى جميع القطاعات، وستظل اسرائيل فى حالة طواريء وعدم إحساس بالأمان طالما لم يتحقق السلام العادل والشامل. لكن كافة الاتفاقيات تؤكد على استمرار اسرائيل فى مخططها العدوانى معتمدة على الأموال الأمريكية والأوروبية لتحسين وضعها الاقتصادي.
وبذلك تحولت حرب غزة إلى نزيف اقتصادى لإسرائيل، فما زالت تداعيات الحرب مستمرة بشكل حاد فى مختلف قطاعات الاقتصاد، مما ادى الى وجود تخفيضات كبيرة مقترحة فى ميزانية عام 2026 فى قطاعات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية لصالح زيادة الإنفاق العسكري.









