فى العلاقات الدولية، لا مكان للرومانسية ولا للأخلاق المجردة، بل تحكمها المصالح العارية من أى تجميل. ومن أصدق الصور التى يمكن أن تصف سلوك القوى الكبرى هى صورة «عناق القنافد»: اقتراب قسرى بين أطراف متناحرة، يتحمل كل منها وخز الأشواك مقابل قدر محدود من الدفء، ريثما تتغير الظروف. هذه الصورة التى استخدمت سابقًا لوصف التفاهمات الأوروبية فى القرن التاسع عشر، تعود اليوم بقوة فى مشهد دولى أكثر تعقيدًا وخطورة.
>>>
الاتفاق الودى بين بريطانيا وفرنسا على اقتسام مناطق النفوذ فى الشرق الأوسط بعد أفول نجم «الرجل المريض» لم يكن تحالفًا حقيقيًا بقدر ما كان صفقة اضطرارية بين خصمين تاريخيين. كل طرف كان يدرك نوايا الآخر، لكنه آثر التفاهم المؤقت على الصدام المباشر. واليوم، يبدو أن المشهد نفسه يتكرر، ولكن هذه المرة على نطاق أوسع، بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين الشعبية.
>>>
ظاهريًا، تعلن روسيا والصين عن شراكة إستراتيجية «على الحلوة والمرة»، وتقدمان نفسيهما كجبهة واحدة فى مواجهة الهيمنة الأمريكية. بيانات مشتركة، قمم متكررة، وخطاب إعلامى يتحدث عن عالم متعدد الأقطاب. لكن خلف هذا الضجيج، تظهر الوقائع على الأرض أكثر برودًا ووضوحًا. فحين تُعزل سوريا سياسيًا ويُقصف العمق الإيراني، أو حين تُخنق فنزويلا اقتصاديًا وتُخطف قيادتها، لا نرى أكثر من بيانات تنديد لا تغير شيئًا فى موازين القوة.
>>>
الولايات المتحدة، من جانبها، لا تخفى إستراتيجيتها. وثائق الأمن القومى الأمريكية تعلن بوضوح أن نصف الكرة الغربى مجال حيوى أمريكى خالص، وأن واشنطن لن تسمح بأى اختراق روسى أو صينى فى أمريكا اللاتينية أو منطقة الكاريبي. هذا ليس خطابًا جديدًا، بل امتداد لعقيدة مونرو القديمة، لكن بأدوات أكثر خشونة ووضوحًا. تغيير الأنظمة، الحصار الاقتصادي، العقوبات، وحتى التلويح بالتدخل العسكرى المباشر، كلها أدوات مشروعة فى القاموس الأمريكى حين يتعلق الأمر بمناطق النفوذ.
>>>
ورغم الضجيج الإعلامي، لم نرَ ردًا فعليًا من موسكو أو بكين على التحركات الأمريكية فى فنزويلا أو غيرها. لا قواعد عسكرية، ولا تدخلات حاسمة، ولا كسر للخطوط الحمراء. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالضعف فقط، بل بفهم أعمق لقواعد اللعبة. فروسيا والصين، كلٌ بطريقته، تدركان أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة فى مناطق تعتبرها واشنطن «حديقتها الخلفية» ليست معركة تستحق الخوض فيها الآن.
>>>
فى المقابل، تُترك لروسيا مساحة واسعة للتحرك فى محيطها الجغرافى المباشر. أوكرانيا مثال صارخ على ذلك، حيث تلتهم موسكو ما يحقق لها أمنها الإستراتيجى ويمنع تمدد الناتو شرقًا. دول البلطيق، بولندا، وشرق أوروبا تعيش تحت ضغط نفسى وسياسى روسى مستمر، دون أن يتجاوز الغرب سقف العقوبات والدعم غير المباشر. وكأن هناك اعترافًا ضمنيًا بأن لروسيا «حقًا» فى مجال نفوذها التقليدي، طالما لا تنفجر الحرب إلى مواجهة عالمية شاملة.
>>>
أما الصين، فتتحرك بهدوء وصبر فى ملف تايوان وبحر الصين الجنوبى ومنطقة الهندى – الهادئ. تستعرض قوتها العسكرية، تبنى الجزر الصناعية، وتفرض وقائع جديدة دون أن تطلق الرصاصة الأولي. الولايات المتحدة تندد، تحشد الحلفاء، لكنها تتجنب الصدام المباشر. الجميع يعرف أن تايوان خط أحمر، لكن الجميع يعرف أيضًا أن كسره قد يشعل العالم بأسره.
>>>
هنا تتجلى فكرة «المقايضات الجيوسياسية». لا توجد اتفاقات مكتوبة، ولا مؤتمرات تعلن هذه التفاهمات، لكنها قائمة بحكم الأمر الواقع. أمريكا تتحرك بحرية فى نصف الكرة الغربي، روسيا فى فضائها السوفيتى السابق، والصين فى محيطها الآسيوي. كل طرف يراقب الآخر، يختبر حدوده، لكنه يتجنب تجاوز الخطوط التى قد تؤدى إلى صدام شامل.
>>>
إنه ليس تحالفًا، ولا سلامًا دائمًا، بل عناق قنافد بامتياز. اقتراب مؤلم، مؤقت، تحكمه الضرورة لا الثقة. عالم اليوم لا يسير نحو نظام دولى عادل أو مستقر، بل نحو توازن هش، قابل للانفجار فى أى لحظة. وفى هذا العالم، تبقى الدول الضعيفة مجرد أوراق تفاوض، تُستخدم وتُهمل، بينما يتقاسم الكبار الدفء… ويتحمل الصغار وخز الأشواك.









