الذهب يحقق مكاسب.. وسوق الأسهم يترقب
«علاوة مخاطر» ترفع الأسعار وتزيد من التكاليف
البورصة المصرية قد تشهد تأثيرًا محدودًا وفرصًا مستقبلية
لم تعد الأسواق المالية مجرد مرآة للاقتصاد، بل أصبحت ساحة لانعكاس التوترات الجيوسياسية التى يشهدها العالم، وتأتى أحداث فينزويلا الأخيرة وتداعيات تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لالقاء القبض على «نيكولاس مادورو» لتضيف فصلاً جديداً من الأزمات إلى الاقتصاد العالمي، يتصدره صراع النفط، فوفقا لتصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ترى الإدارة الامريكية ان النفط فى فنزويلا ملكا لأمريكا، الأمر الذى انعكس تلقائيا على أسواق المال، لنطرح السؤال على خبراء الاقتصاد ما التأثيرات المحتملة على الأسواق وما هى القطاعات الأكثر تضرراً؟.
وأضافوا أن من أبرز القطاعات التى ربما تتلقى تأثيرت سلبية مباشرة هى قطاعات الطيران والسياحة، مما يمثل ضغوطاً قوية على الأسهم وتراجع فى التقييمات السوقية، كذلك القطاع المصرفى والخدمات المالية نتيجة زيادة المخاطر الائتمانية، وتباطؤ الاستثمار وتراجع الاقتراض، وهروب رءوس الأموال فى أوقات التوتر، بما يعنى تراجع اسهم البنوك.
تفاعل النفط مع السياسة
أوضح الدكتور حسن الشقطى أستاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة بجامعة أسوان، أن ما جرى ليس مجرد حدث سياسى عابر، بل حلقة جديدة فى صراع الطاقة العالمي، لافتا إلى أن النفط لايتحرك فقط بالإنتاج والاستهلاك، بل بالخوف وبالتوقعات، وفنزويلا، رغم تراجع إنتاجها، تمتلك أكبر احتياطى نفطى مُثبت فى العالم، حيث تبلغ احتياطياتها النفطية نحو 303.8 مليار برميل، متجاوزة بذلك احتياطيات الولايات المتحدة والتى تبلغ حوالى 38 مليار برميل.
وقال: (إن ما يحدث ليس حرب نفط – كاملة، لكنه تذكير قاسٍ بأن برميل النفط ما زال رهينة السياسة، وأن الأسواق العالمية تخاف قبل أن تخسر)، مشيرا إلى أن أى اضطراب سياسى يعنى تلقائيًا – علاوة مخاطر – على الأسعار، ويمثل ضغطا على الأسواق فى ظل تصاعد التهديدات وتأثيرها السلبى على الإمدادات، لافتا إلى أن الارتفاعات التى نراها الآن هى تسعير مسبق لسيناريوهات أسوأ، مستقبلاً تتمثل فى عقوبات أشد، تعطّل شحنات، أو تصعيد إقليمى أوسع.
وعن أبرز القطاعات الاقتصادية التى قد تشهد صعودا أوضح الشقطى أن شركات النفط تستفيد مؤقتًا، لكن شركات النقل والطيران تدفع الثمن سريعًا، وتابع أن التضخم سيعود للواجهة بقوة بما يدفع البنوك المركزية لسياسات تقييدية.
وقال الدكتور عبدالمنعم السيد رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إن ما حدث فى فنزويلا يزيد من حالة عدم اليقين فى أسواق النفط العالمية، ويرفع المخاطر الجيوسياسية ويعزز التوجه نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والمعادن.
وأوضح أن التأثير على مصر غير مباشر لكنه مهم فإذا حدث ارتفاع لأسعار النفط من خلال ارتفاع محتمل مما قد يؤدى الى ضغوط تضخمية على السلع المستوردة، وتحديات فى الأسواق المالية، لافتا إلى أن هذا الوضع يفرض ضرورة العمل على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج لمواجهة الصدمات العالمية وزياده الصادرات المصرية، مع وضع حمايه من اى هجمات سيبرانيه و تأمين الاتصالات.
الدكتورة مها الشيخ أستاذ الاقتصاد والمتخصصة فى سلاسل التوريد والدعم اللوجستى ترى ان الخطر الأكبر فى «صراع النفط» لا يتوقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى ما يؤثر مباشرة على حياة الأفراد، كزيادة أسعار الوقود، وشحن الرسوم، وتأخير تسليم السلع، مشيرة إلى أنه بمجرد إعلان الولايات المتحدة عن بدء عملية عسكرية فى فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، انعكس هذا سريعاً ومباشرة على الأسواق وحدث توتر وقلق، حتى قبل حدوث نقص فعلى فى الإمدادات.
وأوضحت أن تفاعل الأسواق العالمية مع الأحداث فى فنزويلا يتم عبر ثلاث قنوات رئيسية: قطاع الطاقة، الموانئ، وأسواق الأسهم. ومن الناحية السياسية هناك توقعات حول إدارة انتقالية سياسية، مما يرفع بسرعة من «علاوة المخاطر» فى تسعير الطاقة والائتمان.
وأوضحت أن أسعار النفط تراوحت فى بداية عام 2026 حول مستوى 60 دولارًا؛ حيث أنهى سعر برنت اليوم الثانى من يناير عند 75.60 دولار، مما يعنى أن أى اضطراب سياسى أو لوجستى يمكن أن يؤدى إلى تقلبات سريعة. وعلى الرغم من أن إنتاج فنزويلا يبلغ حوالى 1.1 مليون برميل يوميًا «أى نحو 1 ٪ من الإنتاج العالمي» بعد أن وصل تاريخيًا إلى 5.3 مليون برميل يوميًا فى السبعينيات، إلا أن حساسية السوق هنا لا تتعلق فقط بالكمية، بل أيضًا بالمخاطر والاضطرابات.
وبالنسبة للأسواق المالية، توقعت بوجود تباين بين القطاعات، حيث ستحقق أسهم الطاقة وخدمات النفط فائدة نسبية نتيجة لعلاوة المخاطر، فى حين ستواجه قطاعات النقل والطيران والصناعات كثيفة الطاقة ضغوطًا بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وعدم استقرار سلاسل التوريد.
يرى خبير أسواق المال محمد عبدالهادى أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا تلقى بظلالها بشكل مباشر على أداء البورصات العالمية، وكذلك الأسواق المحلية والعربية، خاصة فى ظل تعدد المتغيرات السياسية وارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن تطورات المشهد خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن حالة عدم اليقين السياسى تدفع المستثمرين إلى تبنى سلوك حذر، يتسم بالترقب والانتظار.
والأسواق تترقب بشكل خاص موقف الصين، باعتبارها الداعم الرئيسى لفنزويلا، وما إذا كان هناك توافق أو اتفاق ضمنى بينها وبين الولايات المتحدة، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التصعيد والصراع بين القوى الكبريوهو ما يزيد من حالة الحذر فى الأسواق المالية.
وأشار إلى أن القاعدة العامة فى مثل هذه الأوضاع هى التأثير السلبى على البورصات، وهو ما بدا واضحًا فى بداية الجلسات من خلال تراجع المؤشرات العربية والبورصة المصرية، مع ترقب افتتاح الجلسة الأمريكية، والتى من المتوقع أن تتأثر سلبًا فى بدايتها، خاصة على صعيد أسهم التكنولوجيا، رغم أن الاقتصاد الأمريكى قد يكون من المستفيدين على المدى المتوسط من أى تحركات عسكرية أو سياسية.
وأكد أن المستفيد الأكبر من التوترات الجيوسياسية الحالية هو الذهب، الذى يتحرك عادة فى علاقة طردية مع الأزمات وعدم الاستقرار السياسي. وقد شهدت أسعار الذهب بالفعل ارتفاعات قوية خلال الفترة الماضية متجاوزة مستوى 4500 دولار عالميًا.
وشدد على أن بقاء الذهب أعلى مستوى 4000 دولار يعد مستوى آمنًا ويدعم الاتجاه الصعودي، مع استهداف مستويات قد تصل إلى 5000 دولار، متوقعًا استمرار ارتفاع أسعار الذهب عالميًا ومحليًا خلال الفترة المقبلة فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم وضوح الرؤية السياسية العالمية.
وقال الدكتور محمد راشد استاذ الاقتصاد أن الأزمة الفنزويلية تؤثر على معنويات المستثمرين فى أسواق المال العالمية حيث أصبحت مثالاً حيًا على مخاطر الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية وضعف التنوع الاقتصادى وهذا الأمر سيعزز اتجاه بعض المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الحكومية للدول المتقدمة مما سيؤدى إلى تحركات ملحوظة فى أسعار هذه الأصول.
كما امتد التأثير إلى الأسواق الإقليمية فى أمريكا اللاتينية حيث ستشهد عملات وأسهم بعض دول الجوار تقلبات نتيجة المخاوف من انتقال العدوى الاقتصادية أو زيادة الضغوط السياسية والهجرات الجماعية.









