فى منزلنا الكبير المطل على الحديقة اليابانية، حيث حلوان الجميلة ذات الجو الدافئ، والهواء الذى اعتدنا أن يكون نقيًا تفوح منه رائحة الفل والياسمين، قمتُ منزعجًا من رائحةٍ نفّاذة لا تُطاق. لم تأتِ على استحياء، بل اقتحمت المكان خلال لحظات، أيقظت الجميع بلا استثناء، وكأنها إنذار طوارئ غير معلن.
بسرعة أغلقنا النوافذ، لكن بلا جدوى. كانت الرائحة قد سبقت الأيدى إلى الصدور، ثقيلة، خانقة، كأنها صادرة من باطن الأرض لا من هواء الليل.. لم تكن رائحة عابرة، ولا حادثًا استثنائيًا، بل ضيف ثقيل يبدو أنه قرر الإقامة دون إذن.
هذا المشهد، للأسف، لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، كما يؤكد سكان 15 مايو وحلوان، الذين تحوّلت حياتهم اليومية إلى حالة ترقّب قلقة. ننتظر هدوء المساء لنلتقط أنفاسنا، فإذا بموجات مفاجئة من الروائح الكريهة تظهر فجأة، ثم تختفى بلا تفسير، وكأنها تؤدى نوبتها اليومية ثم تنصرف.
المسألة تجاوزت حدود الشكوى الفردية، وانتقلت إلى المجال العام. تحركات برلمانية، زيارات ميدانية، مخاطبات رسمية، وضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي ، وسكان يتساءلون، ومشهد عام يوحى بأن هناك أزمة.. لكن دون عنوان واضح.
تحت ضغط الشكاوى، دفعت وزارة البيئة بلجان فنية لمعاينة مواقع مرتبطة بالتعامل مع المخلفات الصلبة فى نطاق حلوان و15 مايو، بهدف قياس الانبعاثات والتحقق من الالتزام بالاشتراطات البيئية. لجان حضرت، عاينت، قاست، ودوّنت.. ثم ماذا؟
للأسف الشديد، وحتى هذه اللحظة، لم يُعلن رسميًا عن سبب نهائى قاطع للأزمة، وكأن الرائحة نفسها قررت أن تظل «مجهولة الهوية».
يا سادة، المواطن هنا لا ينتظر بيانات مطوّلة، ولا يهمه عدد الزيارات أو الاجتماعات أو الصور التذكارية. لايهمه كم لجنة جاءت وكم لجنة ستأتي. ما يهمه نتيجة واحدة فقط: هواء يمكن احتماله، ونوافذ تُفتح دون خوف، وليالٍ لا تُقطع بسبب رائحة بلا اسم ولا عنوان.
نحن لا نطلب معجزات، ولا «برفانات» مستوردة تُرش فى الشوارع. نطلب ألا يتحول المساء إلى عقوبة جماعية.
ويبقى السؤال الإنسانى البسيط، الذى لا يحتاج لجانًا ولا مؤتمرات ولا ميزانيات:
متى أعود إلى منزلنا الكبير لأتنفس فعلاً؟
متى أستعيد حلوان التى عرفناها.. حلوان الهواء النقى، لا حلوان الروائح الكريهة؟
وهل سأستمتع يومًا من جديد برائحة الزهور، أم أن الزهور نفسها قررت الرحيل بصمت؟









