من حيث العدد هو أقل أبناء جيله فى إنتاجه السينمائى الروائى الطويل «9 أفلام + 3 تسجيلية» خلال مسيرة 40 سنة تقريبًا منذ تخرجه فى المعهد العالى للسينما.. أما أبناء جيله الذين أقصدهم أبرزهم خيرى بشارة ومحمد خان وعاطف الطيب وبعدهم بقليل رضوان الكاشف.. ويقف داود عبدالسيد متفردًا.. لأنه الوحيد الذى كان يكتب أفلامًا ينطبق عليها «المؤلف الذى يكتب بالكاميرا».. فإذا تحولت اللقطات عنده.. إلى قصائد بليغة تطرب العين والوجدان يصح الوصف الصحيح له أنه «شاعر السينما المصرية» الذى حول الصعاليك «أول أفلامه» إلى فلاسفة.. وتحول الشارع عنده إلى مدرسة بل وجامعة يتعلم منها الكبير قبل الصغير.. ومرر كل ما يريد أن يقوله بلغة سينمائية خاصة لا أحد يستطيع أن ينكرها عليه أو يقصقص ريشها.. الكفيف عنده ليس من فقد بصره.. لكنه من فقد البصيرة.. والحاوى أو الساحر مجرد «أولعبان» يدعى أنه يلعب معك وهو يلعب عليك.. ولذلك جمع بين المواطن والمخبر والحرامى تحت سقف واحد.. وجاء بشعبان عبدالرحيم لكى يضعه فى مكانه الصحيح.. لا يسخر منه.. بل يسخره ويقول ما يريد من خلال شخصيته.
كثيرة هى الأفلام التى تناولت قضايا المخدرات بشكل نمطى ساذج.. التاجر والشرطة.. لكنه فى أرض الخوف نجد الضابط الذى ينخرط بينهم لكى يضبطهم يعيش الحالة ويختلط عليه أمره بين مهمة يريد أن ينجح فيها.. وبئر سحيقة سقط فيها ولم يستطع منها الخلاص.. أبطاله غالبًا من أصحاب الأحلام يبحثون عنها بأشكال مختلفة مرة تحت عنوان «سيد مرزوق» وأخرى فى أمريكا.. وثالثة فى الكيف.. ورابعة فى البحر وخامسة فى الفرح فى فيلم «أرض الأحلام» تجهز «نرجس» نفسها للسفر إلى أمريكا لكنها تفقد بسبورها.. ويكاد الحلم يتبخر أمامها وهى لاتزال على أرض مصر.. وتلتقى بذلك الساحر أو الحاوى ويصطدم حلمها برجل يبيع الأوهام بألعابه.
وفى كل الأحوال هناك بحث عن شيء ما.. وغالبًا لا يجده.. ولكنك لا تصاب بالاحباط كمتفرج وأنت تعيش حالة البطل.. وتلك هى عبقرية وشاعرية داود الذى يستخدم الإنسانية والمشاعر فى طهى أفلامه.. بعيدًا عن توابل السينما المستهلكة التى تغيب العقل لأنها تنافس المخدرات فى ذلك.. بينما فى أفلام داود.. ترى الفقر ولكنك لا تعاديه.. لأنه لا يعنى فقط فقر المال.. بل يعكس فقر الفكر وقلة العقل والوعى ولذلك تجد الأغنياء عنده.. يملكون الملايين.. وقد جمعوها بالاحتيال والابتزاز والجبروت..والبطل الحقيقى عند داود هو الإ نسان الحقيقى الذى يحاول أن يتصالح مع كل شيء حوله.. هو لا يكره ولكنه يبتعد وينأى عما لايرضيه أو يتواءم معه.
المنتسب
أحب الصحافة وتمناها.. لكنه وجد نفسه يتجه إلى السينما فتحولت الكاميرا إلى فيلم بين يديه.. وبدلاً من الحرف كان «الكادر» وكانت اللقطة.. وهو لم يبتعد عنها فقد انتسب إليها عندما تزوج من الزميلة كريمة كمال «مؤسسة روزاليوسف».. ومع ذلك لم يغازل الصحافة مثل غيره.. بل ترك الصحافة هى من تتغزل فى أعماله.
واستطاع بمهارة وبساطة وشاعرية أن يجمع بين سينما تقول الكثير لكنها تصل إلى كل الناس ولا تتعالى عليهم حتى تحول فيلمه «الكيت كات» إلى لوحة بصم على إتقانها المتفرج العادى والناقد المتخصص.. والعجيب فى أمر هذا الفيلم أنه مأخوذ عن رواية مالك الحزين للأديب الكبير إبراهيم أصلان.. ولأول وهلة عندما وصل السيناريو إلى عادل إمام وكان هو الترشيح الأول للبطولة رأى أن هذه النوعية قد تعجب فئة المثقفين ولا يمكن أن تصل بسهولة إلى الجمهور العادي.. لكن داود الذى يفعل ما يفعله بدون فرد عضلات أو «حذلقة وفذلكة».. نجح أن يقدم روح الرواية رغم ما أدخله عليها من تعديلات لدواع سينمائية.. وهو ما أشاد به «أصلان» فى أكثر من لقاء معه.. وقد سمعنا.. ورأينا أفلامًا.. عن روايات أدبية شهيرة.. ولم يحتفظ صناعها إلا بالاسم فقط.. وقدموا شيئًا مختلفًا وكان الأفضل لهم وللجمهور أن يتركوا الرواية فى حالها وأن يفعلوا ما يحلو لهم بعيدًا عنها وعن مؤلفها خاصة إذا كان فى حجم نجيب محفوظ.. وقد يحدث هذا مع نجم سوبر يتم ترشيحه ثم يعتذر ويضطر مخرج الفيلم ومنتجه إلى توزيع البطولة على أكثر من اسم أو يتم تغيير البطولة من رجالى إلى حريمى أو العكس.
قدرات غير عادية
فى فيلمه الأخير الذى لم يأخذ حقه إعلاميًا أو نقديًا.. لأن الأنظار دائمًا ما تعتبر «الكيت كات» هو العنوان الدال على «داود» وكأنه لم يصنع غيره.. وأفلام داود قد لا تحدث الانفجار فى حينها لكنها تجمع جمهورها واحدة واحدة.. وتعيش لأن فيها ما يمنحها العمر الطويل حتى وان كانت بالمقاييس التجارية بعيدة عن المفهوم الساذج لإيرادات الشباك وهو مقياس ضرورى لصاحب رأس المال.. الذى يضمن له هامش الربح أن يستمر وينفق أكثر على أفلام أخري.. وبالمناسبة معظم الأفلام لاتخسر.. لكنها على المدى البعيد قد تعوض نفقاتها من البيع للمنصات والقنوات الفضائية ووسائل التواصل.. والفيلم يتم بيعه.. لسنوات بعينها ثم يتجدد العقد وهكذا إلى الأبد..
و«قدرات غير عادية» آخر أفلام داود.. فيه وعنه الكثير مما يقال وتم إنتاجه بميزانية بسيطة قياسًا بغيره.. ولعبت بطولته نجلاء بدر مع محمود الجندى وحسن سامى وعباس أبو الحسن وأحمد كمال والطفلة مريم تامر التى قامت بدور فريدة وفكرة أن يدور الفيلم فى بنسيون يجمع شخصيات مختلفة بما فى ذلك الطفلة البريئة ويكتشف أنها موجودة حتى بين أبسط الناس.. يتحلون بها ولا يعرفونها ويغفلون عن اكتشافها فى أنفسهم.. وبذلك يبحث الفيلم بين شخصيات البنسيون.. لكن من زاوية جديدة غير تلك التى نظر بها نجيب محفوظ فى روايته الشهيرة ميرامار وهى أيضًا تدور داخل بنسيون.. وداود دائمًا ما يأخذ من العادى أو المتاح أو الشائع ويحولها بطريقته فى أفلامه إلى شخصيات غير عادية.
ولأن الدعاية لم تخدم الفيلم كما ينبغي.. أظن أن متفرجه على القنوات أو الإنترنت سوف يجد فيه ما يجعله يعيد اكتشافه رغم مرور عشر سنوات على عرضه الأول وهو كما قلت الحلم الأخير من أحلام داود السينمائية وميزته أنه لا يحكم بأسلوب نمطى على شخصيات مهما كانت ويترك للمشاهد أن يحكم بنفسه من خلال أفعالها وتحركاتها أمامه على الشريط السينمائي.. وهذا هو الفن أن تعيد صياغة الواقع على الشاشة ولا تنقل حرفيًا ما يحدث فى البيوت والشوارع وهذا هو الفارق بين مصور الفوتوغرافى الذى يقدمنا كما نحن كوثيقة وبين الفنان الذى يرسم نفس الشخص بعين مختلفة وبزاوية جديدة حيث على أرض الواقع لا يمكن تقسيم البشر بين ملائكة وشياطين لأنهم جميعًا فى داخل كل واحد منهم الخير والشر معًا بنسب مختلفة.. وشاعر السينما عرف كيف يرسم بالكاميرا بمختلف الألوان.









