لم يكن الخرز الملوّن فى يومٍ من الأيام مجرد حليٍّ بدائية أو وسيلة لعب للأطفال، بل كان – ولا يزال – رمزًا بالغ الدلالة فى تاريخ السيطرة على العقول قبل السيطرة على الأرض. ألوان براقة، ووعود لامعة، وحكايات عن التقدم والرخاء، كانت كافية لإلهاء الشعوب عن السؤال الأهم: ماذا يُؤخذ منها مقابل هذا البريق؟
فالخرز الملوّن «عدا خرز كاتبنا الكبير محمد سلماوى الملون فى روايته التى تحمل نفس الاسم» لم أبدا يكن هدية، بل كان رشوة بصرية، ستارًا يخفى خلفه نزع الموارد، وسلب الإرادة، وتفكيك البنى الثقافية والاجتماعية.
> > >
فى تجارب الاستعمار الكلاسيكية، كانت المرحلة الأولى هى الإبهار. إبهار بالسلع، بالتقنيات، بالخطاب الحضاري. ثم تأتى المرحلة الثانية: تغييب العقل. فكما استخدمت بريطانيا الأفيون لإخضاع الصين، استُخدمت أشكال أخرى من التخدير، بعضها فيزيائى وبعضها نفسي: إعلام موجّه، تعليم مُفرغ، ونخب محلية تقوم بدور الوسيط بين المستعمِر والشعوب. كانت الشعوب تُدار وهى شبه نائمة، ترى الألوان ولا ترى القيود.
> > >
لكن العالم لا يقف عند مرحلة واحدة. التاريخ لا يكرر نفسه بنفس الأدوات، بل بنفس المنطق مع تغيير الشكل. نحن اليوم أمام انتقال واضح من مرحلة الخرز الملوّن إلى مرحلة أكثر قسوة ووقاحة: الخرز الأسود.
لم تعد هناك حاجة للإبهار، ولا للتخدير طويل الأمد. لم يعد مطلوبًا إقناع الشعوب أو حتى خداعها. الرسالة الجديدة أكثر مباشرة: القوة هى اللغة الوحيدة، ومن لا يفهمها يُكسر.
> > >
الخرز الأسود لا يلمع، لكنه يُرعب. لا يعد بالرفاه، بل يلوّح بالعقاب. إنه عصر العمليات الجراحية دون بنج، وبتر الأطراف دون اعتذار. عقوبات اقتصادية تخنق الشعوب لا الأنظمة، حصارات تُدار ببرود، وتهديدات تُعلن على الشاشات دون مواربة. لم يعد هناك اهتمام حتى بتجميل المشهد أو تبريره أخلاقيًا. الشرعية تُستمد من فوهة البندقية، لا من القانون الدولي.
> > >
سلوك الولايات المتحدة فى فنزويلا كان كاشفًا لهذا التحول. لم يكن مجرد صراع سياسى أو اقتصادي، بل عرض حى لمرحلة جديدة من إدارة العالم. محاولات إسقاط نظام عبر تجويع شعب، تهديدات عسكرية علنية، مصادرة أصول، وتجاهل كامل لأى خطاب سيادى أو إنساني. لم يعد الحديث عن الديمقراطية إلا ديكورًا باهتًا، يُرفع عند الحاجة ويُسحب فور تعارضه مع المصالح.
> > >
فنزويلا أيقظت كثيرين على حقيقة كانت تُهمس سابقًا: لا صوت يعلو على صوت القوة. العالم الذى كان يُدار بالخرز الملوّن، بالشعارات، وبالمؤتمرات، دخل طورًا تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق اليد الثقيلة. من يملك العصا لا يحتاج إلى تبرير، ومن لا يملكها يُطلب منه الصمت أو الانحناء.
> > >
الخرز الأسود لا يُوزع على الجميع، بل يُفرض. وهو لا يستهدف العقول فقط، بل الأجساد والبطون والقدرة على البقاء. العقوبات ليست وسيلة ضغط سياسية فحسب، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمعات، لإجبارها على الاختيار بين الجوع والطاعة. إنها هندسة قسرية للواقع، تُنفذ بلا خجل.
> > >
غير أن هذه القسوة المعلنة تحمل فى طياتها مفارقة خطيرة. فالخرز الملوّن كان ناجحًا لأنه خدع، أما الخرز الأسود فيخاطر بإيقاظ. حين يُسلب الإنسان وهو واعٍ، وحين يُضرب دون أقنعة، تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور. تبدأ الشعوب فى إدراك أن المشكلة لم تكن فى سوء الفهم، بل فى ميزان القوة ذاته.
> > >
العالم اليوم يقف على عتبة إعادة تعريف العلاقات الدولية. لم تعد القيم المشتركة ولا المؤسسات العالمية قادرة على لعب دور الوسيط. القوة العارية تتصدر المشهد، والتهديد المباشر أصبح أداة سياسية مشروعة. هذا لا يعنى نهاية الخداع، بل نهاية الحاجة إليه مؤقتًا. فحين تستقر موازين القوة من جديد، قد يعود الخرز، ولكن بألوان أخري.
> > >
الخرز الأسود ليس نهاية التاريخ، بل علامة على طوره الأكثر فجاجة. طور يقول بوضوح: من لا يحمى نفسه، سيُبتر. ومن لا يملك أدوات الردع، سيتحول إلى ساحة تجارب. وفى هذا العالم، لم يعد السؤال: من معنا ومن ضدنا؟ بل: من يستطيع أن يقول لا.. ويبقى واقفًا.









