عرف العالم منذ بزوغ فجر الحضارات أن قوة الأمم تقاس بمدى تمسكها بالعلم، وبكيفية رعاية رموزها الفكرية والروحية، فهذا الأمر دليل على وعي المجتمع ونضجه في تقدير العلم وأهله.
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “العلماء ورثة الأنبياء”، للتأكيد أن العلماء يختلفون عن غيرهم، فحياتهم لا تقاس بالأرقام فقط، بل بمقدار الأثر الذي يتركونه في المجتمع، والإرث المعرفي الذي يسهمون به في بناء الأجيال، وعلى خطى العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل، يقف اليوم “الإمام الطيب”، بعد أن أتم عامه الثمانين، شاهدًا على أن العمر ليس رقمًا، بل هو رحلة في خدمة الدين والأمة، تتجسد هذه الحقيقة في مسيرته التي تمثل نموذجا متكاملا يجمع بين العقل والروح، بين التقاليد والانفتاح على العصر، وبين الحفاظ على التراث والتطبيق المعاصر، وبين الالتزام بأرضه وجذوره، والسعي الدؤوب لبناء جسور التفاهم والسلام بين الناس.
ولو نظرنا في التاريخ الإسلامي دون أدنى جهد ومع نظرة عابرة، نجد أمثلة تتقاطع فيها الحياة الفكرية مع خدمة المجتمع، كان الإمام الشافعي، مثلًا، لا يقتصر دوره على وضع أصول الفقه، بل كان يسعى لغرس المعرفة في نفوس طلابه، وقد جاب البلاد لنشر العلم، واضعا نموذجا للعلماء الذين جمعوا بين الجهد العملي والتأصيل النظري، وكذلك الإمام الغزالي، الذي مزج بين التصوف والفكر العقلاني، وأظهر أن العلم الشرعي لا يكتفي بالتعليم النظري، بل يجب أن يمتد إلى تكوين الوعي الأخلاقي والروحي للأمة.
كما قضى الإمام أبو حنيفة عمره في دراسة الفقه وتعليم تلاميذه، والإمام مالك ألف “الموطأ” ليكون مرجعًا للأجيال، ولعل هذه المدرسة ذاتها التي ينتمي إليها الإمام الطيب، فهو امتداد لهذه الروح، التي تجمع بين التراث والانفتاح على العالم، وبين الارتباط بالهوية الأصيلة والتعايش مع المخالف، وإذا أمعنا النظر في الوثائق التي رسخها الإمام الطيب في العصر الحديث، يتضح لنا أن العالم أمام جملة من الأعمال الجليلة، مثل وثيقة الأخوة الإنسانية، ووثيقة الأزهر لنصر القدس، ووثيقة الأزهر للحريات، بالإضافة إلى مبادرات الأزهر للسلام، وتطبيقاتها العملية التي تجلت في حوارات الشرق والغرب وبيت العائلة ولجنة الأخوة الإنسانية، ما يؤكد أن هذه الوثائق لم تكن مجرد نصوص، بل جسدت رؤية عملية تربط بين التعليم الديني والتعايش الإنساني من خلال الحوار الحضاري، مؤكدة أن العمل الفكري والعلمي للأزهر يمتد أثره ليشمل المجتمع والدين والعالم أجمع.
اعلم أيها القارئ الكريم أن الإمام الطيب، الذي ينتمي إلى صعيد مصر، لعائلة عريقة ونسبه الشريف يربطه مباشرة بأصول النبوة الكريمة، لم ينفك عن جذوره وموطنه الأصلي رغم انشغاله الواسع وتقدمه في العمر، إنه يعيش هموم مجتمعه وقضايا أبناء بلده لحظة بلحظة، ويجعل من أصالته مصدرا للإلهام، مؤكدا بذلك أن الانتماء للأرض والإنسان لا يزول بالسنوات، بل يتعمق مع الخبرة والوعي، وأن الأصالة ليست مجرد نسب، بل فعل مستمر في خدمة الناس والوطن، فهو حالة فلسفية متكاملة، يعيش الحياة كرحلة معرفية وروحية في آن واحد، فمنذ تقلده منصب شيخ الأزهر عمل على أن تكون أروقة الأزهر ميدانا للابتكار في التعليم الديني، ومنصة لتشجيع الشباب للفهم الصحيح للدين، وأن الدين ليس مجرد نصوص جامدة، وإنما هو منهج متكامل للحياة، فأصبحت فسلفة المؤسسة الأزهرية في عصر الإمام الطيب قائمة على التوازن بين الفكر والروح، بين المعرفة والعمل، بين التقاليد ومتطلبات العصر الحديث، وبين الدعوة إلى السلم بما يعكس روح التسامح والوسطية التي رسخها القرآن الكريم، فكما دعمت الدولة العباسية العلماء والفقهاء، وكانت مدارسها وكتاتيبها متنفسا للمعرفة، كان دعم الطيب لأروقة الأزهر بمثابة استمرار لتلك الرسالة: بناء الإنسان أولاً.
ثم اعلم أيها القارئ أن الطيب نموذج الإنسان الذي جمع بين الفكر والعمل، بين الحكمة والرحمة، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الدفاع عن دينه وعقيدته في كل ميدان والدعوة للتقريب بين المذاهب، إن الإمام الطيب بحق مثال حي على أن كل لحظة في العمر يمكن أن تصبح مساهمة في بناء مجتمع متوازن، عاقل، ومستنير، فالاحتفال بثمانين عاما من حياته ليس مجرد احتفال بالسنوات، بل احتفال بمشروع مستمر من البناء المعرفي والأخلاقي، الذي يربط الماضي بالحاضر، ويؤسس لمستقبل يثري الأمة ويجعلها أكثر وعيا وعمقا، فهو يعيد بمساره إلى الأذهان حكمة التاريخ الإسلامي: أن الإنسان هو من يصنع أثره، وأن المعرفة لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل تزداد قوة كلما امتدت عبر الأجيال، فتظل رسالة الأزهر، وتحفيظ القرآن، والتعليم المستنير، وشرف الأصالة، وحب السلام، شواهد على أن الفعل الحقيقي يتجاوز حدود الزمن، وأن الأصالة، مهما بلغ الإنسان من العلم والانشغال، تبقى صلة حية بالهوية والجذور، وقوة لبناء التعايش والوئام.









