أعجبنى وصف الكاتبة الأمريكية ميشيل جولدبرج لموقفها من الذكاء الاصطناعى فى مقالها الأسبوع الماضى بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عندما قالت: «نحن نسير نياما نحو عالم مرعب، والجميع يرى الهاوية من بعيد ولكن لا أحد يتوقف»، كانت ميشيل جولدبرج تصف ما وصل إليه العالم على صعيد الذكاء الاصطناعى قبل ساعات من بدء العام الجديد 2026، مقتبسة عبارة المعلق الأمريكى اليمينى المتطرف مات والشر رغم اختلافهما فى كل شيء تقريبا، إلا أنها رأت أن مقولته تتفق مع موقفها من الذكاء الاصطناعي.
لطالما شغلنى هذا الموضوع لاسيما وأن التطور فيه يتسارع بوتيرة مرعبة ولا نختلف بالطبع فى أن للذكاء الاصطناعى فوائد عديدة فى مجالات مختلفة من العلوم وفى تطبيقاتها العملية فى الحياة ولا سيما فى المجال الطبى والعمليات الجراحية تحديدا، لكننى وبحكم عملى أعتبر نفسى من الضحايا المرشحين للذكاء الاصطناعى وهم كثر بالمناسبة، ففى مجال الصوت والصورة والتسجيلات المصورة؛ صار الشك هو الأساس فى كل ما يعرض خاصة مع الدقة المتناهية فى التوليد عبر الذكاء الاصطناعى وتقنية «التزييف العميق» التى صار التفريق فيها بين الحقيقى والمزيف مهمة فى غاية الصعوبة حتى على صانع المحتوى نفسه، وبالطبع مع سهولة الانتشار والتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعى المختلفة، صار الذكاء الاصطناعى أكثر شهرة واستخداما، ويصنع المعجزات! فبإمكانه مثلا أن يولد محتوى لأشخاص ماتوا أواختفوا و يطرح قصصا و حكايات قابلة للتصديق أوحتى للنقاش، أنا على سبيل المثل لم أعد أصدق أى صورة أشاهدها، فمن يضمن لى أنها غير مولدة بالذكاء الاصطناعي؟ وهكذا الفيديوهات والتسجيلات الصوتية، لقد كسر الذكاء الاصطناعى أحد أقوى الأدلة التى كان يستند عليها فى التحقق من الجرائم مثلا عندما كان يقال: «لقد فعل هذا و تم تسجيله صوت وصورة»، الآن يأتى لك الذكاء الاصطناعى بمن فعل بالصوت والصورة و هو فى الحقيقة لم يفعل!!
من جانبهم أطلق قادة التكنولوجيا فى العالم العديد من الوعود المتعلقة بالذكاء الاصطناعى باعتباره الحلم الذى يتحقق لتحسين جودة الحياة وجعل الإنسان أكثر سعادة لكن فى الأخير تحول الذكاء الاصطناعى إلى شبح حينما دخل فى سياقات سباق التسلح المدفوعة بالابتكار «التكنوبيولوجي» وأساسه الذكاء الاصطناعى الذى أحدث تحولا جذريا فى مفهوم الحرب وأسهم فى نشوء نمط جديد من الحروب يعرف بـالحروب الهجينة والتى تجمع بين الأساليب العسكرية التقليدية وغيرها من النظامات،فمن خلال قدرته على تحليل البيانات الضخمة، وتطوير قدرات غير مسبوقة فى الفضاء السيبراني، أعاد الذكاء الاصطناعى تشكيل ساحات المعارك المعاصرة بطرق لم نعهدها من قبل، وصار الذكاء الاصطناعى رقما مهما فى صراعات القوى
اجتماعيا لا ننكر أن قطاعات عريضة من البشر فى مختلف أنحاء العالم باتت تشعر بتهديد الذكاء الاصطناعى الذى يشاع أنه سيحل مكانهم فى وظائفهم، حتى من دون تجريب لجدوى ذلك إن حدث, فقط مجرد انبهار بالمنتج التكنولوجى الذى ربما يأخذ الناس إلى الكارثة ببطء وهم راضون، إذ إن الذكاء الاصطناعى الذى يُدرَّب ويُتعلَّم كيفية تنفيذ المهمة المُكلَّفة قد يصل فى النهاية إلى مرحلة يفقد فيها الإنسان السيطرة، مما يُسبِّب مشاكل وعواقب غير متوقعة، لم يقتصر الأمر فقط على استبدال البشر واعتبارهم «كائنات قديمة»، بل حتى من تبقى منهم ذو حظ فى الالتحاق بالوظائف يجد نفسه مضطرا إلى اجتياز مواقف صعبة ومربكة من أجل الحصول على عمل فى بيئة مكتظة بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
على الصعيد السياسي، يبدو المشهد معقدا فعلى مدى العقود الأخيرة، أصبح الاستقرار السياسى محورًا أساسيًا فى تحليل النظم السياسية، ودراسة الديناميات الدولية، الآن نجد الذكاء الاصطناعي، برز كأداة حديثة تُحدث تحولًا جذريًا فى تحليل البيانات المعقدة، والتنبؤ بالأحداث المستقبلية، ويُستخدم بشكل متزايد فى تحليل كميات هائلة من البيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحليلها؛ لاستخلاص أنماط معقدة؛ لمساعدة صنّاع القرار فى التنبؤ بالمخاطر السياسية، لكن يبقى هذا التحليل وليد عمليات الكترونية معقدة تفتقر إلى روح السياسة.
الخلاصة: الذكاء الاصطناعى إن لم يعمل ضمن آلية ضبط أساسها الإنسان سيعمل على تفريغ البعد الإنسانى من كل شيء من الفنون والوظائف، ويشوه الواقع العام بمحتوى زائف، فضلا عن مخاطره النفسية المتزايدة وتدميره الخطير للخصوصية عبر المراقبة الواسعة.









