سقطت آخر أوراق التوت.. فلم يعد هناك ما يستر عورات النظام الدولى الذى شُيِّد بعد الحرب العالمية الثانية على أنقاض الخراب، وبُنيت فوقه أوهام العدالة والشرعية والتوازن.
ما جرى فى فنزويلا، من اختطاف رئيس دولة ذات سيادة – أو على الأقل تحويل مصيره إلى مادة غامضة تتنازعها الروايات – لم يكن حادثًا استثنائيًا، بل إعلان وفاة رسمى لما يُسمّى القانون الدولي، بكل مؤسساته التى طالما تباهى بها المنتصرون فى الحرب الكبرى.
>>>
الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية.. أسماء ضخمة، لافتات براقة، لكن المضمون بات خواءً كاملًا. هذه المؤسسات لم تُخلق لحماية الضعفاء أو لضبط سلوك الأقوياء، بل وُلدت أصلًا لضمان استمرار ميزان القوة الذى فرضه المنتصرون. وحين تغيّرت المصالح، سقطت المبادئ، وباتت القوانين حبرًا على ورق، يُستدعى فقط حين يخدم الطرف الأقوى، ويُدهس بلا تردد حين يتعارض معه.
>>>
اليوم، تقف الولايات المتحدة فى قلب المشهد العالمي، لا كدولة تقود نظامًا دوليًا، بل كقوة تُدير العالم بمنطق الشركة العابرة للقارات. لا قانون، لا قيم، لا ديمقراطية، ولا حتى حلفاء دائمون. هناك شيء واحد فقط يحكم القرار الأمريكي: المصلحة الاقتصادية المجردة، وما يتفرع عنها من نفوذ إستراتيجى وهيمنة تكنولوجية وعسكرية.
>>>
العالم لم يعد ساحة صراع أيديولوجي، بل ميدان تصفية حسابات اقتصادية بالقوة المسلحة. من يملك التكنولوجيا يملك السلاح، ومن يملك السلاح يفرض الشروط، ومن يفرض الشروط يعيد تعريف القانون. بهذه البساطة، وبهذه القسوة.
>>>
فى فنزويلا، لم تنفع مادورو تحالفاته ولا خطاباته ولا شرعيته الانتخابية. الصين وروسيا، الحليفان الكبيران، اكتفيا ببيانات شجب وتنديد باردة، تُلقى فى الهواء ولا تغيّر شيئًا على الأرض. وهذا فى حد ذاته رسالة مرعبة: حتى التعددية القطبية المزعومة عاجزة عن حماية أقرب حلفائها. أما الحديث عن عالم متعدد الأقطاب، فليس سوى فقاعة فكرية يرددها خبراء العلاقات الدولية، هروبًا من الاعتراف بالحقيقة الصادمة: نحن نعيش أحادية قطبية صلبة، بلا رتوش.
>>>
وما جرى فى فنزويلا ليس نهاية القصة، بل نموذج قابل للتكرار. إيران تقف اليوم على حافة السيناريو ذاته. مظاهرات «هاند ميد»، مُدارة ومُغذاة ومُضخّمة إعلاميًا من واشنطن، لا يساور الشك فى ذلك. أدوات الضغط واحدة: عقوبات خانقة، حصار اقتصادي، شيطنة إعلامية، ثم ضربات نوعية دقيقة، وفى النهاية إسقاط الرأس.. إما بالاختطاف أو الاغتيال أو الفوضى الشاملة.
>>>
هذا ليس تحليلًا نظريًا ولا نبوءة متشائمة، بل قراءة مباشرة لمسار الأحداث. القانون الدولي، كما عرفناه، لم يعد موجودًا. ما حلّ محله هو قانون القوة. قوة لا تعترف بالحدود، ولا تحاسب نفسها، ولا تحتاج شرعية سوى قدرتها على الفعل.
>>>
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج مرشح للتمدد. ملفات كثيرة حول العالم تنتظر الحسم: دول مارقة فى القاموس الأمريكي، أنظمة متمردة على الإملاءات الاقتصادية، مناطق إستراتيجية لم تُحسم تبعيتها بعد. السيناريو جاهز، والأدوات مجرّبة، والتكلفة السياسية أصبحت منخفضة فى عالم فقد مناعته الأخلاقية.
>>>
فى هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: من المخطئ ومن المصيب؟ بل: من الأقوى ومن الأضعف؟
لم يعد الحق يُنتزع بالقانون، بل يُفرض بالقوة. ولم تعد السيادة مفهومًا مطلقًا، بل امتياز مؤقت تمنحه القوة لمن تشاء، وتسحبه حين تشاء.
>>>
إننا ندخل مرحلة تاريخية مختلفة تمامًا، مرحلة ما بعد القواعد، وما بعد المواثيق، وما بعد الشعارات الإنسانية. مرحلة يُعاد فيها تشكيل العالم وفق خرائط المصالح لا خرائط الجغرافيا، ووفق ميزان القوة لا ميزان العدالة.
>>>
وفى هذا السياق، يصبح الحديث عن القانون الدولى نوعًا من الترف الفكرى، أو السخرية السوداء.
قانون دولى؟
لا مؤاخذة.. لقد انتهى زمنه.









