حين نتأمل قوله تعالي: «انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون»، ندرك أن الإشكال ليس فى غياب الدليل، بل فى الإصرار الواعى على قلب الحقائق، وصرف الناس عن الحق بعد أن يتبين. فـ»الإفك» فى المفهوم القرآنى ليس مجرد كذب عابر، وإنما منظومة متكاملة من التضليل المتعمد، يُدار بعقلٍ مريض، ويُسوَّق بلسانٍ فاجر، ويُوظَّف لخدمة غايات خبيثة.
>>>
وفى واقعنا المعاصر، لم يعد الإفك مجرد سلوك فردي، بل تحوَّل إلى وظيفة كاملة الأركان، لها ممولون، ومنصات، وخطاب مكرر، وأدوات نفسية تستهدف الوعى الجمعي. ومن بين النماذج التى تجسد هذا المعنى بأوضح صوره، يبرز نموذج محمد ناصر ومن يدور فى فلكه، باعتباره أحد أكثر النماذج رداءة وانحدارًا فى سوق الارتزاق الإعلامي.
>>>
محمد ناصر لا يقدم معارضة سياسية بالمعنى المعروف، ولا يمارس نقدًا وطنيًا مشروعًا، بل ينفذ أجندة واضحة المعالم، قوامها التشكيك فى كل ما هو مصري، والطعن فى الدولة، وتسفيه المؤسسات، وبث روح العداء بين المواطن ووطنه. خطابه ليس اجتهادًا ولا اختلاف رأي، وإنما إفك منظم، يقوم على القص واللصق، والتلاعب بالسياق، وتضخيم الشائعات، وتحويل الأكاذيب إلى ما يشبه «حقائق بديلة» يرددها أتباعه بلا عقل ولا تمحيص.
>>>
واللافت أن هذا النموذج ومن معه يتحدثون كثيرًا عن الدين، ويستدعون النصوص حين تخدم أغراضهم، بينما يمارسون فى الواقع أبشع صور الخيانة الفكرية والأخلاقية. فهم يكذبون باسم الدين، ويتاجرون بالقضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لا من باب الإيمان بها، بل من باب الاستثمار الرخيص فى العاطفة، تمامًا كما رُفع «قميص عثمان» قديمًا لإشعال الفتنة لا طلبًا للعدل.
>>>
يستحضر محمد ناصر فلسطين فى خطابه لا ليحرر أرضًا، ولا لينصر شعبًا، بل ليزايد على الدولة المصرية، ويشكك فى مواقفها، ويصوّر نفسه ومن معه أوصياء على الضمير العربي، بينما هم فى الحقيقة مجرد أدوات فى يد قوى لا تريد لمصر استقرارًا ولا للأمة وعيًا. لم نرَ منهم تضحية، ولا موقفًا حقيقيًا، ولا فعلًا على الأرض، بل رأينا ضجيجًا إلكترونيًا يُدار من خلف الشاشات، ومن شقق آمنة فى إسطنبول وغيرها، بينما يُدفع بغيرهم إلى الفوضى والهاوية.
>>>
إن أخطر ما فى هذا النموذج ليس شخص محمد ناصر فى حد ذاته، بل الفكرة التى يمثلها: فكرة تحويل الكذب إلى رسالة، والتشكيك إلى مهنة، والهدم إلى «نضال». هنا يصبح الإفك سلاحًا، ويغدو الإعلام أداة تخريب، ويتحول الخطاب إلى سمٍّ بطيء يُضخ فى عقول البسطاء، مستغلًا الغضب، والإحباط، وحب الشعارات الكبرى.
>>>
لكن القرآن، وهو يفضح «الأفاكين»، لا يكتفى بوصفهم، بل يضعهم فى موضعهم الحقيقي: «قُتل الخراصون»، أى لُعنوا لهلاكهم المعنوى قبل المادي. فالإفك لا يصنع مستقبلًا، والكذب لا يبنى وطنًا، والمرتزق – مهما علا صوته – يظل أجوف، بلا جذور ولا شرعية.
>>>
إن مواجهة هذا اللون من الإفك لا تكون بالصراخ، ولا بالانجرار إلى مستواه، بل بالوعي، وكشف الأدوات، وفضح الأجندات، وربط الخطاب بالفعل، والدين بالصدق، والوطن بالمسئولية. فمصر، بتاريخها وعمقها، أكبر من أن تهزها أبواق مأجورة، وأرسخ من أن تشوه صورتها منصات الكذب، مهما ادعت البطولة أو لبست عباءة المظلومية.
>>>
وفى النهاية، يبقى السؤال القرآنى قائمًا: أنى يؤفكون؟
وكيف يُصرف الناس عن أوطانهم باسم الدين، وعن الحقيقة باسم الحرية، وعن الوعى باسم الثورة؟
هنا، فقط، ندرك أن أخطر المعارك ليست على الحدود بل فى العقول.









