تقف الإنسانيّة اليوم عند منعطفٍ تاريخيٍّ بالغ الأهميّة؛ منعطف لا يقتصر على التطوّر التقني فحسب، بل يمسّ إعادة تشكيل الوعي الإنساني، والهوية، والقيم، والعلاقات، ومعنى الحياة ذاته.
وهذا العصر يُوصَف بحقّ بأنّه عصر جيل Z—جيلٌ ابتعد إلى حدٍّ كبير عن البُنى الاجتماعية التقليدية، لكنه ارتبط بعمق بالعالم الرقمي، وبثقافة السرعة، وبالذكاء الاصطناعي.
جيل Z هو أوّل جيل يولد في بيئةٍ رقميّةٍ كاملة فالهواتف الذكيّة، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخوارزميّات ليست أدواتٍ خارجيّة في حياته، بل جزءٌ طبيعيّ من واقعه اليومي.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما زال الإنسان سيّد التكنولوجيا، أم أنّه يتحوّل تدريجيًّا إلى خاضعٍ لها؟
السمة الأبرز لعصرنا هي السرعة، حياة سريعة، تكنولوجيا سريعة، طعام سريع، وتواصل سريع، وقد أثّرت هذه الوتيرة المتسارعة في كلّ جوانب الوجود الإنساني، فتراجعت قيم الانتظار، والصبر، والعمق—وهي قيم كانت أساس النضج الإنساني.
أصبح جيل Z معتادًا على النتائج الفوريّة والإشباع السريع، ونتيجةً لذلك، ازدادت أهميّة المظاهر الخارجيّة، واقتناء الجديد، و«حياة الاستعراض»، بينما أخذ السلام الداخليّ والاستقرار النفسيّ في التراجع.
لدى جيل Z، أصبحت علاقات الحبّ والروابط العاطفيّة تشبه التفاعلات الرقميّة؛ تبدأ بسرعة، وتنتهي بسرعة، وتقوم على توقّع الاستجابة الفوريّة.
وقد أضعف هذا النمط عمق العلاقات الإنسانيّة؛ إذ حلّ الإشباع المؤقّت محلّ الصبر، وحلّت الجاذبيّة العابرة محلّ الالتزام، ممّا أدّى إلى تنامي الشعور بالوحدة والفراغ العاطفيّ رغم كثافة التواصل الظاهري.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد وسيلة للتيسير، بل أصبح قوّة مؤثّرة في صنع القرار، والتعليم، وسوق العمل، والبُنى الاجتماعيّة. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في ازدياد ذكاء الآلات، بل في تنازل الإنسان عن مسؤوليّته الفكريّة والأخلاقيّة لها.
يشهد التاريخ أنّ القوّة حين تنفصل عن الأخلاق تتحوّل إلى عامل هدم، واليوم تتجلّى القوّة في البيانات، والخوارزميّات، والأتمتة، وإذا لم تُضبط هذه القوّة بوعيٍ أخلاقيّ، فإنّها قد تختزل الإنسان من كائنٍ أخلاقيّ إلى مجرّد وظيفة.
غالبًا ما يُتَّهَم الجيل الجديد بالبعد عن الدين أو العداء للتقاليد، غير أنّ المشكلة الحقيقيّة لا تكمن في الجيل ذاته، بل في أسلوب تقديم الدين والتراث، فكثيرًا ما قُدِّم الدين بلغة الخوف، والجمود، والانفصال عن واقع الإنسان المعاصر، في حين يفهم هذا الجيل لغة السؤال، والمعنى، والعقل.
إنّ جيل Z لا يعادي القيم، بل يرفض القيم غير المفسَّرة، والمفروضة دون فهم أو ارتباط بالحياة.
ومن الخطأ اعتبار الجيل الجديد مادّيًّا خالصًا، فثمّة بحث روحيّ صامت وعميق يتشكّل في داخله. إنّ السعي إلى الطمأنينة الداخليّة، والمعنى، والهوية، والغاية، يمثّل جوهر أسئلته الوجوديّة.
وإذا لم يُواجَه هذا البحث بتوجيهٍ دينيّ وروحيّ أصيل، فقد يُملأ الفراغ بأنماطٍ سطحيّة من الروحانيّة أو بفلسفاتٍ مضلِّلة.
إنّ رسالة الدين ما تزال حيّة وفاعلة، غير أنّ الاختبار الحقيقي اليوم هو أسلوب الخطاب، فالخطاب الدينيّ الذي يُقصي العقل، أو يُهمِل الأخلاق، أو يُفرغ الروح من معناها، لن يكون قادرًا على مخاطبة إنسان هذا العصر.
المطلوب اليوم تعبيرٌ دينيّ يخاطب العقل، ويؤسّس للمسؤوليّة الأخلاقيّة، ويُعيد إحياء البعد الروحيّ للإنسان.
يحمل هذا العصر في طيّاته مخاطر جسيمة، لكنّه في الوقت نفسه فرصة تاريخيّة، فإذا خضعت التكنولوجيا للضبط الأخلاقيّ، وتوازنت القوّة مع المسؤوليّة، فقد يشكّل هذا العصر بداية صحوة إنسانيّة جديدة.
إنّ السؤال الحقيقي ليس إلى أين يتّجه الجيل الجديد، بل هل نحن مستعدّون فكريًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا للتعامل معه بلغته، وتوجيهه نحو المعنى بدل الاكتفاء بالحكم عليه من منظوماتٍ موروثة؟









