لعدة عقود، ساد اعتقاد واسع في الفكر السياسي والعلاقات الدولية بأن الجغرافيا فقدت دورها التاريخي. قيل إن الاقتصاد حلّ محلها، وإن العولمة كسرت قيود المكان، وإن التكنولوجيا جعلت الحدود أقل أهمية، والموقع أقل تأثيرًا، والمسافات مجرد أرقام على الشاشات. بدا العالم وكأنه تحرر من «لعنة الجغرافيا»، وانتقلت القوة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الأسواق، ومن الممرات البحرية إلى البورصات العالمية، ومن الخرائط إلى سلاسل الإمداد.
>>>
غير أن هذا التصور، الذي بدا مقنعًا في لحظة صعود الاقتصاد المعولم، كشف مع الوقت عن خلل عميق في فهم طبيعة القوة. فالجغرافيا لم تختفِ، بل جرى تهميشها مؤقتًا، وحين تُهمَّش حقائق التاريخ طويلًا، فإنها لا تعود بهدوء، بل تعود منتقمة.
>>>
صعود الاقتصاد كعامل حاسم للقوة الدولية خلق نظامًا عالميًا قائمًا على الكفاءة لا على الصلابة. الدول بنت علاقاتها على أساس الربح والخسارة، لا على أساس الموقع والعمق الاستراتيجي. سلاسل الإمداد صُممت لتكون أسرع وأرخص، لا أكثر أمانًا. الاعتماد المتبادل أصبح فضيلة، دون حساب كافٍ لما يعنيه أن ترتبط أمنك الغذائي أو الطاقوي أو الصناعي بمسارات تمر عبر جغرافيا مضطربة أو مناطق صراع محتملة. ومع الوقت، بدا أن العالم بنى توازنه على افتراض مثالي: أن السياسة ستخضع دائمًا لمنطق السوق.
>>>
لكن الجغرافيا، بعنادها المعروف، رفضت هذا الافتراض. عادت الحدود لتصبح خطوط توتر لا مجرد خطوط تنظيم. عادت المضائق لتكون نقاط اختناق لا ممرات عابرة. عادت الأرض لتفرض كلمتها على المال، والخرائط لتقيد طموحات العولمة. الحرب في أوكرانيا لم تكن مجرد صراع سياسي، بل إعلان صريح عن عودة الجغرافيا إلى قلب المعادلة الدولية. فجأة، أصبح الموقع، والعمق، والحدود، والجوار، عناصر لا يمكن تجاوزها بخطابات السوق المفتوح.
>>>
ما نشهده اليوم ليس مجرد «عودة» للجغرافيا، بل ما يمكن وصفه بـ»انتقامها». انتقام من عقود جرى فيها التعامل معها كعنصر ثانوي، أو كخلفية صامتة للأحداث. انتقام يتجلى في اضطراب سلاسل الإمداد، وتسييس الطاقة، وتسليح الغذاء، وعسكرة الممرات البحرية. الاقتصاد الذي صعد ليكون سيد الموقف، وجد نفسه رهينة للخرائط التي تجاهلها.
>>>
هذا الانتقام لا يستهدف دولة بعينها، بل نموذجًا كاملًا من التفكير. النموذج الذي افترض أن القوة يمكن فصلها عن المكان، وأن النفوذ يمكن أن يُدار من الشاشات دون السيطرة على الأرض. لكن الواقع أثبت أن التكنولوجيا لا تلغي الجغرافيا، بل تضاعف أهميتها، وأن الاقتصاد لا يحل محل الموقع، بل يحتاجه ليستقر ويستمر.
>>>
الشرق الأوسط مثال واضح على هذه التحولات. لسنوات طويلة، جرى النظر إلى المنطقة باعتبارها مصدرًا للطاقة أو ساحة أزمات مزمنة. اليوم، تعود المنطقة إلى قلب الحسابات الدولية ليس فقط بسبب مواردها، بل بسبب موقعها. الممرات البحرية، طرق التجارة، أمن الطاقة، التوازنات الإقليمية، كلها تعيد التأكيد على أن الجغرافيا هنا ليست عبئًا، بل عنصر قوة لمن يحسن فهمه وتوظيفه.
>>>
انتقام الجغرافيا لا يعني أن العالم يتجه إلى حروب دائمة، لكنه يعني أن عصر السذاجة الاستراتيجية قد انتهى. لم يعد ممكنًا بناء سياسة خارجية أو نموذج تنموي يتجاهل الموقع والحدود والبيئة الإقليمية. الدول التي تفهم جغرافيتها، وتحوّلها إلى أداة نفوذ واستقرار، ستكون أكثر قدرة على الصمود في عالم مضطرب. أما الدول التي تكتفي بحسابات اقتصادية مجردة، فستظل عرضة للصدمات.
>>>
في العالم الجديد، لا الاقتصاد وحده يصنع القوة، ولا الجغرافيا وحدها تحكم المصير. القوة الحقيقية ستولد من التوازن بينهما. لكن الدرس الأهم الذي تفرضه اللحظة الراهنة هو أن تجاهل الجغرافيا لم يكن تقدمًا، بل خطأً استراتيجيًا. وحين أخطأ العالم في حق الخرائط، جاء الرد قاسيًا.
>>>
انتقام الجغرافيا هو تذكير بأن التاريخ لا ينسى، وأن المكان ليس تفصيلًا، وأن من يتجاهل موقعه على الخريطة، لن يجد مكانه في النظام الدولي القادم.









