مع بداية الأسبوع المنصرم، ودعنا واحدًا من أعظم مخرجى السينما المصرية، داوود عبد السيد، عن عمر ناهز الـ 79 عامًا، بعد رحلة فنية طويلة ومؤثرة ترك فيها إرثًا خالدًا جمع بين الواقعية العميقة والإنسانية الصادقة. رحيله ليس مجرد فقدان فنان، بل فقدان صوت صادق استطاع أن يعكس حياة الإنسان البسيط ويحوّلها إلى سينما حقيقية تُلامس الروح.
ولد داوود فى القاهرة عام 1946، فى أسرة قبطية متوسطة بحى شبرا الشعبي، حيث تعلم منذ الصغر أن يرى الناس كما هم، بأحلامهم وهمومهم وبساطتهم. هذه الرؤية رافقته طوال حياته المهنية، بداية من الصحافة التى مارسها فى شبابه، قبل أن يجد فى السينما أداة أقوى للتعبير عن الناس والمجتمع. عمل كمخرج مساعد مع كبار المخرجين مثل كمال الشيخ ويوسف شاهين، لكنه شعر بسرعة أن دوره يجب أن يكون أعمق، فاتجه إلى الإخراج بمفرده، وبدأ بفيلم تسجيلى فى السبعينيات، لينطلق بعده فى رحلته الواقعية التى أسست لسينما مصرية مختلفة، تهتم بالإنسان البسيط وقضاياه اليومية.
كانت لى فرصة فريدة لمقابلة داوود بعيدا عن عالم السياسة والأحزاب فى مارس 2019، عندما شارك فى نادى الفيلم بأتيليه بالإسكندرية، الذى تشرفت بأن أكون أحد أعضائه.
يومها جاء ملبّياً دعوة الناقد السينمائى سامى حلمي، وقتها لم أقترب من داوود كمخرج فقط، بل اقتربت من الإنسان داوود عبد السيد نفسه، بروحه العميقة وأناقته الهادئة وحكمته وبساطته.
شعرت وكأن كل كلمة منه تحمل ضحكة صادقة أو تجربة حياتية مؤثرة، وكأننى أطل على عالمه الداخلى قبل أن أرى أفلامه على الشاشة، فقرأت فى حواراتنا التى امتدت لعدة أيام .. كنا فيها ضيوفا على عالم داوود بعض من فلسفته كمخرج ومؤلف مبدع فريد من نوعه، ولمست صدق ووضوح فنان استثنائي.
فى أعماله نجد الإنسان دائما على حافة سؤال وجودى أواجتماعى، من الصعلوكين مرسى وصلاح فى الصعاليك، إلى الشيخ حسنى فى الكيت كات، ويحيى فى رسائل البحر، وسيد مرزوق فى البحث عن سيد مرزوق ورائعته أرض الخوف وتساؤلات يحيى أبو دبورة مع ذاته. كل شخصية تمثل وحدة لمجتمع أكبر، فلسفة فريدة صاغها بالكتابة فى قصته وعبر عنها بالكاميرا فى فيلمه، فكانت سينما متميزة غزيرة الأفكار رغم قلة أفلامه.
كانت عوالمه السينمائية المتوازية تنسج حياة الشخصيات مع محيطهم الاجتماعى والثقافى والاقتصادى، مع السلطة والحرية والفقر والفساد.
تميز عبد السيد بأسلوب واقعى عميق، لقد كان شاعرا وكاتبا ومفكرا بالكاميرا، يجعل المشاهد جزءًا من رحلة البحث عن المعني. رحم الله داوود عبد السيد، ورحم روح السينما التى عاش من أجلها، وترك لنا إرثًا خالدًا من الإنسانية والفن والصدق فى التعبير، إرثًا يجعلنا نتذكره ليس فقط كمخرج عظيم، بل كإنسان عاش بصدق مع كل من قابلهم فى حياته.









