لعله من المستغرب أن يكون مقالى هذا الأسبوع عن موضوع الثأر علماً بأنه من الموضوعات التى قُتلت بحثاً وتحليلاً وسرداً على مدى أعوام طويلة.. بل إن هذا الموضوع قد تم إثارته فى العديد من الأفلام والمسلسلات على فترات متتالية.. والطبيعى أن يكون حديثى متزامناً مع نهايات العام الحالى ومستبشراً بالعام الجديد أو على الأقل أن يكون عن إحدى القضايا الداخلية التى دائماً ما اهتم بها.. يبدو أن تناولى اليوم لهذا الموضوع جاء نتيجة حدث حقيقى كنت أتابعه عن خصومة ثأرية استمرت عدة سنوات بين أبناء العمومة من عائلة «أحمد على عبيد» وعائلة «كمال على عبيد» بقرية الأوسط قامولا مركز نقادة بمحافظة قنا التى أتشرف بالانتماء إليها.. إلى أن تمكنت اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف من إنهائها لتنهى سنوات من الصراع وتطوى صفحة مظلمة من صفحات إراقة الدماء نتيجة معتقدات ومفاهيم أرى أن الزمن والتطور الذى نعيش فيه أصبح غير قابل لها بل ويعتبرها من الجرائم التى يجب أن يعاقب عليها مرتكبها أياً ما كانت أسبابه ومبرراته.
والواقع أن من يرتكب جريمة الثأر يكون لديه قناعة أنه ينفذ حق القصاص الوارد فى القرآن الكريم علماً بأن هناك فارقاً كبيراً بين هذا وذاك.. فالثأر هو مفهوم قبلى أو عرفى يهدف إلى تحقيق الانتقام دون حكم قضائى وهو ما يؤدى إلى سلسلة من الانتقامات والصراعات بين العائلات أو القبائل وهو فى ذلك قد لا يحقق أو يراعى مبدأ العدل أوالمساواة.. فى حين أن القصاص هو عقوبة منصوص عليها فى الشريعة الإسلامية، حيث يؤخذ بمبدأ العين بالعين فى حالة القتل العمد أو الإيذاء الجسدى ويتم ذلك بناء على حكم قضائى بهدف تحقيق العدالة والتعويض للضحية أو أهلها وهو هنا يراعى مبدأ المساواة والعدل ومن هنا فإن القصاص يهدف إلى تحقيق العدالة وإنهاء الصراع بينما الثأر يمكن أن يؤدى إلى سلسلة من الصراعات والانتقامات.. وعلى الرغم من تراجع معدلات جريمة الثأر بشكل ملحوظ إلا إننا مازلنا نسمع بين وقت وآخر عن جريمة وقعت هنا أو هناك نتيجة لاستمرار روح العصبية والقبلية بل إن البعض يعتبرها أحد مظاهر الوجاهة الإجتماعية وتكون مدعاة للفخر بين القبائل حتى ولو طالت النساء أو الأطفال وهو ما حدث بالفعل بمحافظة قنا منذ عدة سنوات بقرية أبو حزام التابعة لمركز نجع حمادى والتى راح ضحيتها 11 شخصاً نتيجة صراع بين عائلتى السعدية والعوامر بسبب مقتل شخص بطلق نارى على خلفية خلاف على تجارة غير مشروعة بين العائلتين وهكذا تأتى جرائم الثأر حتى ولو كانت قائمة على أنشطة غير قانونية مثل تجارة المخدرات والسلاح تحديداً.. ناهيك عن العوامل التحفيزية الأخرى التى تساهم فى زيادة حدة العنف والميل إلى ارتكاب جرائم الثأر وفى مقدمتها الأم أو الزوجة خاصة إذا كان القتيل ابنها أو زوجها فهى لا تهدأ ولا تتقبل العزاء إلا بعد الأخذ بالثأر ومن المعروف أن الأم فى الأسرة الصعيدية تعتبر العمود الأقوى فى أفرادها وصاحبة النفوذ والتأثير الكبير على الجميع.
وعلى الرغم من أن لعنة الثأر تنتشر إلى حدٍ ما حالياً فى صعيد مصر إلا أن نزوح بعض أهالى تلك المحافظات إلى الوجه البحرى أو القاهرة والجيزة أدى إلى حدوث بعض جرائمه بتلك المحافظات وذلك من منطلق أن المجتمعات لا تتغير إلا إذا تغيرت القناعات.. ومن هنا فإن الحلول الأمنية وحدها ليست كفيلة بالقضاء على تلك الجرائم بل وأيضاً الحلول العرفية أحياناً تفشل فى التعامل معها و أحياناً قد تكون سبباً فى تجدد الخصومات الثأرية لما يُمارس من ضغوط فى تلك المصالحات على أهل القتيل بوجوب قبول التصالح بنفس غير راضية من أهل القاتل وهو الأمر الذى يجعل من بعض المصالحات الثأرية مجرد مصالحات إعلامية صورية.
من الطبيعى أن يكون لجرائم الثأر آثار سلبية متعددة لعل من بينها حالياً تعكير مناخ الاستثمار فى محافظات صعيد مصر حيث باتت بعض المدن الصناعية به غير جاذبة للاستثمارات الأجنبية الجادة على الرغم من توافر الإمكانات اللازمة لذلك.. ناهيك طبعاً عن انتشار مافيا تجارة السلاح والمخدرات التى تنشط بجوار بؤر الصراعات الثأرية بين العائلات والقبائل.
وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره فإننى أستطيع أن أجزم أن هناك تراجعاً ملموساً فى جرائم الثأر نتيجة للعديد من الإجراءات التى اتخذتها أجهزة الدولة المختلفة علاوة على انتشار الوعى والثقافة بين أبناء الصعيد خاصة بعدما أصبح فى كل محافظة أكثر من جامعة وأكثر من هيئة تعمل على نشر الوعى وثقافة التسامح مثل فروع المجلس القومى للمرآة الذى يحاول أن يتعامل مع المرآة الصعيدية التى تلعب – كما سبق أن أسلفنا – دوراً كبيراً فى التحريض للأخذ بالثأر وفوق كل ذلك فإن تفعيل سيادة القانون فى ضبط ومعاقبه المتهمين وسرعة إصدار الأحكام الرادعة تجاههم كان له أثر كبير فى وأد الفتن التى تثيرها جرائم الثأر.
وعودة إلى بدء.. فها هى اللجنة العليا للمصالحات التى تم تشكيلها بتكليف من فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر تقوم بدورها على الوجه الأمثل فى إنهاء الخصومات الثأرية بين أبناء الصعيد وغيرهم، حيث نجحت بالفعل فى تحقيق الصلح وإرسال رسالة سلام بين أبناء محافظة قنا بعدما ساهم عقلاء العائلتين فى إنهاء تلك الأزمة والحرص على فتح صفحة جديدة فى التعامل بينهما بإيمان راسخ أن الصلح من مناهج الصالحين والمصلحين لما يتطلبه من سمو أخلاقى وضبط النفس وتغليب لقيم العفو والتسامح وهو ما شهدت عليه ساحة شيخنا الطيب التى امتلئت بأجواء من البهجة والرضا بعد إعلان الصلح وسط دعوات لم الشمل وقتل الفتن ونزع بذور الغل والكراهية.
إن المفهوم الحقيقى للتسامح والصلح داخل مجتمعاتنا هو قمة الحكمة ودليل قوة العقل ورجاحة الرأى وأن من يقدم على تلك الخطوة إنما يحفظ الوطن من الانقسام ويحمى المجتمع من الانزلاق فى دوائر لا تنتهى من العنف والدمار فهو يحقن الدماء ويصون الكبرياء ويحفظ الأبناء ويعيد الاستقرار ويفتح ابواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.. ولعل أمنيتى وأنا من أبناء الصعيد أن يحل علينا العام الجديد وقد انتهت تلك الموروثات والعادات وأن يتغلف صعيدنا السعيد بمفاهيم الرفعة والسمو والعزة والرشاد.









