كبرنا ونحن نسمع العبارة ذاتها تتردد فى كل بيت، وعلى كل لسان، ومن فوق كل منبر: نمر بمرحلة دقيقة، نعيش ظرفًا استثنائيًا، الوطن على مفترق طرق. كانت الجملة تُقال بثقة من سبقنا، فنرددها نحن بنفس اليقين، وكأنها حقيقة أبدية لا تقبل المراجعة. كبرنا قليلًا، فاكتشفنا أن المرحلة الدقيقة لم تنتهِ، وأن الظرف الاستثنائى لم يُرفع، وأن مفترق الطرق يمتد بلا نهاية، طريقًا داخل طريق.
>>>
عشنا أعمارنا مؤجلين الحياة، نتحرك بحذر، نتكلم بنصف صوت، ونحلم بنصف حلم، لأن «الوقت غير مناسب». كنا نؤمن بأن هناك لحظة قادمة، فاصلة، ستعلن انتهاء الطوارئ التاريخية، ونبدأ بعدها العيش الطبيعي. انتظرناها طويلاً… ولم تأتِ.
>>>
ومع مرور السنوات، ومع كل جولة تأمل صادقة، يكتشف المرء حقيقة صادمة: نحن لم نكن يومًا فى حالة استثنائية، نحن فى حالتنا الطبيعية تمامًا. الاستثناء الوحيد هو أننا صدقنا العكس.
>>>
مصر – بحكم موقعها، وتاريخها، وجغرافيتها – ليست دولة تعيش على هامش الأحداث، بل فى قلبها. تدفع دائمًا ثمن كونها مركزًا، لا طرفًا. دولة تمر بها الرياح قبل أن تهدأ، وتختبر العواصف قبل أن تصل إلى غيرها. الصراعات، الضغوط، الأزمات، التحديات… هذه ليست طارئة على تاريخنا، بل جزء أصيل منه. الجديد فقط هو دهشتنا المستمرة، وكأننا نراها لأول مرة.
>>>
المشكلة الحقيقية ليست فى كثرة الأزمات، بل فى تعاملنا النفسى معها. اعتدنا أن نعيش فى وضع استعداد دائم، كأن الحياة مؤجلة إلى إشعار آخر. نخاف من الفرح لأنه قد يُساء فهمه، ونخشى الهدوء لأنه قد يكون «هدوء ما قبل العاصفة». صرنا نرتاب فى الاستقرار، ونشك فى اللحظات العادية، ونبحث دائمًا عن الخطر حتى لو لم يكن موجودًا.
>>>
لكن الأوطان لا تُبنى بالأعصاب المشدودة، ولا تستمر بالقلق المزمن. لا يمكن لمجتمع أن يبدع، أو ينتج، أو يحلم، وهو يسير طوال الوقت على أطراف أصابعه. السير على أطراف الأصابع يصلح للحظات الخطر القصوي، لا لعقود متواصلة.
>>>
نحتاج أن نتعلم درسًا بسيطًا وعميقًا فى آن واحد: الحياة لا تنتظر زوال العواصف. البحارة الحقيقيون لا يلغون الرحلة بسبب الأمواج، ولا يعيشون فى رعب دائم من الرياح. يعرفون أن البحر هكذا، وأن العاصفة جزء من الرحلة، لا نهايتها. يتعلمون الصبر، وضبط الإيقاع، والثقة فى السفينة، لا الهلع من كل موجة.
>>>
أن نعيش بشكل طبيعى لا يعنى الإنكار أو السذاجة، ولا يعنى تجاهل المخاطر أو التقليل من التحديات. بل يعنى أن نتعامل معها دون تهويل، ودون أن نسمح لها بابتلاع حياتنا بالكامل. أن نعمل، ونحب، ونبني، ونختلف، ونفرح، ونخطئ، ونتعلم… رغم كل شيء، لا بعد زوال كل شيء.
>>>
أحلامى لبلادى ليست وردية، ولا رومانسية زائدة. أحلامى بسيطة وعاقلة:
أن نكف عن التعامل مع كل يوم كأنه امتحان مصيرى.
أن نتوقف عن وصف كل مرحلة بأنها الأخطر فى التاريخ.
أن ندرك أن القوة الحقيقية ليست فى النجاة المؤقتة، بل فى الاستمرار الطويل.
>>>
أحلم بأن نسير على أقدامنا بثبات، لا على أطراف أصابعنا بخوف. أن نربى أبناءنا على الصلابة لا على الذعر، وعلى الوعى لا على القلق. أن نفهم أن الوطن لا يحتاج دائمًا خطاب تعبئة، بل أحيانًا إلى طمأنينة، وإلى ثقة هادئة، وإلى عقل بارد.
>>>
فالبلاد التى عاشت آلاف السنين وسط العواصف، لا تحتاج أن ترتجف من كل ريح. تحتاج فقط أن تتذكر من هى… وأن تعيش.









