لم تستطع جولدا مائير أن تنام قريرة العين ليلة كيبور، رغم أن قادة جيش الدفاع وجنودهم قد نالوا اجازاتهم ليقضوا كيبور مع ذويهم، وكذلك حال وزراء حكومتها الذين تزاوروا فيما بينهم فى تلك الليلة، بل أن زعماء الأحزاب الدينية اليمينية المتشددة قضوا ليلة كيبور فى احتفالاتهم، ويرجع كل هذا إلى تقارير مؤكدة من الموساد (المخابرات) وأمان (المخابرات الحربية) والشباك (الأمن الداخلي) وجميعها تقول باليقين(!) بعدم قدرة المصريين على العبور، أو حتى القيام بأعمال عدائية تجاه الصهاينة، ويتردد فى الأنحاء ما قاله موشيه دايان: «إن المصريين أمامهم عشرين عاماً حتى يفكروا فى العبور».. كما أنها تقول عقب اجتماع الجمعة الخامس من أكتوبر: «تلقيت تأكيدا بأن لدينا انذارا كافيا لأى متاعب» وتستطرد: «بعد أن انصرف رئيس المخابرات، بقيت مع لوكدار فربت على كتفى قائلا: لا تقلقى لن تكون هناك حرب».. لكنها وحدها جولدا التى تستمع لهواجسها التى أرقت نومها فى ليلة كيبور، إلا أنها فى النهاية استسلمت لسلطان النوم الذى انقذها من مخاوفها التى ألهبت مخدعها، فقالت: «لكننى كنت قلقة، ولم أكن لأفهم سر تأكده من أن الأمور تسير سيرا حسنا، ما الذى يحدث لو أنه كان على خطأ؟» وتتساءل مع نفسها قائلة: «فلو أن هناك أدنى احتمال لقيام الحرب فلنستدعى الاحتياطى على الأقل»..
وفزعت جولدا مع جرس التليفون الذى رن فى منتصف ليلة كيبور لينجدها من أضغاث أحلامها وكوابيسها المفزعة من هجوم المصريين، وتقول: «دق جرس التليفون إلى جواري، فى حوالى الساعة الرابعة صباحا، وكان المتحدث هو سكرتيرى العسكري، وكانت المعلومات التى وصلت تفيد أن المصريين والسوريين سوف يشنون هجوما مشتركا فى وقت متأخر من بعد ظهر اليوم».. وهنا، والآن فارق النوم للأبد أجفان جولدا، فتقول: «أبلغت ليور أن يطلب من دايان ودادو والون وجاليلى أن يكونوا فى مكتبى قبل السابعة صباحا».
وربما هذا كان الاجتماع الثالث قبيل العبور مباشرة، فقد سبقه اجتماع الجمعة، وقبلهما الاربعاء، وفى كل مرة يخرج الاجتماع بعدم قدرة المصريين على العبور، لكن اجتماع صباح السادس من أكتوبر كان مختلفا، فتقول جولدا: «بدأ الاجتماع فى الساعة الثامنة، وكان كل اهتمام دايان ودادو موجها نحو حجم الاستنفار».
وربما كان حجم الاستنفار وهو استدعاء الاحتياطى مكلفا للغاية، كما إنه هذه المرة سيصيب المجتمع بالخيبة، لأنهم يجتمعون مع ذويهم فى طقوس كيبور، ولو حدث أن لم يقم المصريين بأية عمل عدائى تجاه الدولة العبرية بالتأكيد سيصيب هذا الاستنفار والحرمان من ممارسة طقوس أعياد كيبور بإنعدام الثقة فى القيادة السياسية والعسكرية أيضا.
لكن جولدا تقول: «فأوصى رئيس الأركان بتعبئة كل سلاح الطيران، وأربع فرق، وقال: إنه إذا تم الاستدعاء فورا فيكون بإمكان هذه القوات أن تتحرك، وتعمل فى صباح اليوم التالي، أى الأحد».
وهكذا كان موقف دادو أما دايان فاتصف رأيه بالسياسيى أكثر منه بالعسكري، فتقول جولدا عنه: «أما دايان فكان يحبذ من ناحية أخرى استدعاء سلاح الطيران وفرقتين فقط (إحداهما فى الشمال والأخرى للجنوب) وبرر ذلك بأننا لو أعلنا التعبئة العامة قبل اطلاق رصاصة واحدة، فسوف نعطى العالم الحجة بإتهامنا بأننا معتدون» وتستطرد نحو رأى دايان: «فإذا ما ساء الموقف فى المساء، فإن بإمكاننا استدعاء المزيد خلال ساعات، وقال: هذا هو اقتراحي، لكننى لن استقيل إذا قررتم عكس ذلك».
ربما كان دايان يعلم من خلال أجهزة استخباراته أن المصريين لن يستطيعوا القيام بعمل كبير فهو صاحب مقولتين شهيرتين: أن العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يتعلمون» وهو من قال «إن المصريين أمامهم عشرين عاما ليفكروا فى العبور» فهو قائد منتصر، ومغرور، ومزهو بنفسه لأقصي، حد فلا يخطر على باله ما لا يرضى غرور وصلفه وكبرياءه العسكري، لكن الساعات التالية ستأتى بالصدمة الكبرى التى ستجعله يراجع نفسه فى قرار عدم استقالته(!) ونستكمل فى القادم إن شاء الله تفاصيل اجتماع ما قبل الثانية ظهرا.









