قضية كل عام وكل الأعوام، ما يحدث من اضطراب عند أولياء الأمور بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة وما يعقبها عند كتابة الرغبات. الكل يبحث عن مكان فى كليات القمة كالطب بأنواعه والهندسة وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكليات الإعلام والصحافة، وهى كليات لها شأنها ومكانتها. ومن يفشل فى اللحاق بها يسعى إلى التكالب على الجامعات الخاصة دون تفكير عميق بما تحتاجه سوق العمل فى داخل البلاد وخارجها. وهى ثقافة قديمة ومتجددة راسخة عند الناس لاسيما فى الأرياف إلا قليلاً. العالم من حولنا يتغير ونحن فى مقاعدنا ثابتون. ولن أنسى أبداً مقولة الراحل الكريم الدكتور كامل ليلة الوزير والبرلمانى السابق: (ليس المهم أن يدخل ابنك إحدى كليات القمة، ولكن المهم هو دخوله الكلية التى يرغبها ويميل إليها ويحقق فيها الطموح والتفوق. كُن أستاذاً فيها ولا تكن خريجاً فى كليات القمة). وقد ضرب مثالاً بنفسه، فهو خريج كلية الحقوق إلا أنه كان الأول على أقرانه وأصبح وزيراً ورئيساً لمجلس الشعب وأستاذاً كبيراً فى عالم القانون. سوق العمل اليوم يختلف عن الأمس، هذه حقيقة لاتحتاج إلى تبيان. زمان كان خريج الطب يجد لنفسه أرضية خصبة فور تخرجه، والأمر يختلف هذه الأيام لكثرة الخريجين، والأمر يمتد إلى خريجى الصيدلة والهندسة إلخ. سوق العمل تتغير طبقاً لاقتصادات العالم. وفى عصر الرقمنة والتطور التكنولوجى تغيرت الخريطة بالجملة، وتقدمت بعض التخصصات وأصبح حاملها ممن يشار إليهم بالبنان من خلال العرض والطلب. وهو ما يتناساه أولياء الأمور وخريجو الثانوية العامة. وتكون المفاجأة اصطدامهم بالواقع وعدم تفكيرهم بما تحتاجه سوق العمل. الرغبة فى التخصص هى الأصل، وهى الطريق الممهد للتفوق والنبوغ. اللغات باتت مطلوبة والحاسب والرقمنة بأنواعها، وهناك تعطش فى سوق العمل لمثل هذه التخصصات التى أصبحت ركيزة فى كل الوزارات والهيئات وفى الشركات الخاصة. وخريج تخصص منها فى كثير من الأحيان يجد من يتلقفه ويبحث عنه، ومن خلال الممارسة يحظى بشهادات تؤهله لسوق العمل فى كثير من الدول. وتبقى ثقافة كليات القمة وكليات القاع فى حاجة إلى مراجعة وتفكير أعمق عند أولياء الأمور وطلاب الثانوية العامة، وإلا فلننتظر اضطراباً وخللاً متزايداً فى سوق العمل. حفظ الله أولادنا وجعلهم ذخراً لمصر ووسع لهم الأرزاق، إنه ولى ذلك والقادر عليه. اللهم آمين.









