تتسابق دول العالم لاستغلال الثروات النباتية التى حباها الله بها. فكل ما يخرج من الأرض يمكن أن يحمل خيرا لمن يعيش فوقها. وشجرة الدوم واحدة من أعرق نباتات الخير، يمتد تاريخها من قدماء المصريين إلى الجزيرة العربية. فهى من أقدم الأشجار التى عرفها المصرى القديم، وظهرت نقوشها على جدران المعابد، بل وحفظوا ثمارها مع موتاهم. أما فى الجزيرة العربية، فقد استخدم يحيى بن كعب أخشابها الصلبة فى ترميم الكعبة. وفى ثمانينيات القرن الماضى لعبت شجرة الدوم الوحيدة فى طابا دورا محوريا فى حكم محكمة العدل الدولية لاستعادتنا لطابا، بعدما قدمت مصر صورتها كدليل على العلامات الأصلية للحدود المصرية.
ينمو الدوم فى صعيد مصر، خصوصًا فى أسوان وقنا وقوص وإسنا، إضافة إلى واحات الصحراء الغربية وسيناء. كما ينتشر فى السودان وتشاد واليمن والسعودية، وهو جزء أصيل من الهوية النباتية لوادى النيل وشبه الجزيرة العربية. تنتمى الشجرة إلى فصيلة النخيل، لكنها تتفرد بتفرع سيقانها إلى فرعين أو ثلاثة، مما يمنحها شكلا مميزا. وتمتد جذورها بعيدا فى عمق الأرض بحثا عن المياه الجوفية. وهى شجرة معمرة، ومن أشهر أشجار الدوم فى مصر شجرة قرية «هو» شمال قنا، ويقال إن عمرها ألف عام وإن الصحابى الشيخ حسن بن بنان هو من زرعها. ولأن شجرة الدوم لا تثمر إلا بعد سبع أو ثمانى سنوات، يقال إنها «الشجرة التى لا ترزق من يزرعها». وربما يرتبط اسم «الدوم» بعبارة «يا مين يدوم».
ثمار الدوم تعيد إلى الذاكرة أيام الطفولة. كان لابد أن نجد عربة بائع الدوم أمام كل مدرسة. كنا نشترى الثمرة ونتلذذ بتحدى صلابتها، فطعمها لا يُقاوم، وكل شيء يهون أمامه. أما اليوم، فيُستخدم الدوم كمشروب فريد فى طعمه ومذاقه، يشرب صيفا وشتاء، وتروى حول فوائده الكثير من الحكايات: أنه يخفض ضغط الدم، ويقلل نسبة السكر، ويمنع امتصاص الدهون، ويخفض الكوليسترول، ويعمل كمضاد للأكسدة، وربما يساعد فى علاج الالتهابات.
لكن ما يقال شيء، وما تثبته الدراسات شيء آخر. بحثت عن هذه البحوث التى اجريت لمعرفة فوائد الدوم ولكن ما وجدته هو مجرد عدد قليل من الدراسات المحدودة، ثلاث من مصر وثلاث من نيجيريا، وكلها أجريت على الفئران. ولم أجد أى دراسة واحدة على الإنسان. وهذا أمر محير، ويجسد بوضوح كيف تتجاهل الأوساط العلمية العالمية كل ما تنفرد به الدول النامية، وكيف تقصر هذه الدول نفسها فى البحث فيما قد يعود عليها بالنفع.
نحن لا ينقصنا شيء. المعامل موجودة والباحثون موجودون. لدينا المركز القومى للتغذية، والمركز القومى للبحوث، ورسائل الماجستير والدكتوراه بالآلاف، ولدينا شركات دواء وطنية. فهل من المعقول ألا يفكر أحد فى تأكيد فوائد شراب الدوم الصحية على الإنسان؟.. ومن تنتظرون يا سادة أن يقوم بذلك؟
ويمتد العتاب إلى الفنادق السياحية فى كل أنحاء مصر. هذه الفنادق تقدم العصائر للنزلاء فى بوفيه الإفطار، ومعظمها يقدم مشروبا كيميائيا مصنوعا من بودرة تباع فى أكياس. وهذا وضع لا يليق بمستوى فخامة الفنادق بل يعتبر «قلة قيمة». بينما لدينا قائمة كاملة من المشروبات الطبيعية التى تقدم مذاقا رائعا وتجربة فريدة للسائح: الدوم، الخروب، الكركديه، التمر هندي، عصير الليمون. كلها من خيرات أرضنا. وكلها من السهل تحضيرها وليست مكلفة.. لكننا للأسف لم نفكر فى استثمارها رغم ان سوق المشروبات الصحية عالميا تجاوز 300 مليار دولار سنويا. وتقوده المنتجات الطبيعية والمستخلصة من النباتات المحلية وكان من الممكن ان يكون مشروب الدوم جزءا من صناعة عالمية لولا غياب البحث العلمى الذى يمنحه الشرعية ويضعه على خريطة الأسواق الدولية.
حان الوقت يا سادة أن نتعرف علميا واقتصاديا على خيرات أرضنا الطيبة ونستثمرها ونحن فى طريق العودة إلى الأمام.








