يعيش مهاجم منتخب بوركينا فاسو جورجى مينونجو واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية تأثيرًا، ليس فى أفريقيا أو فى تاريخ كأس الأمم الإفريقية فحسب، بل على مستوى العالم أجمع، لاعب قيل له ذات يوم فى بداية مشواره الكروى إن مستقبله انتهي، ثم عاد ليكتب اسمه بشجاعة فى لحظة فارقة، عندما شارك لأول مرة فى بطولة كأس الأمم الأفريقية وقت أن لعب مع منتخب بلادة ضد غينيا الاستوائية والجزائر، رغم فقدانه البصر فى إحدى عينيه.
فى مواجهة منتخب غينيا الاستوائية، دخل مينونجو الملعب فى الدقيقة 79، والمباراة تسير نحو تعادل سلبى لا يخدم طموحات بوركينا فاسو، ثم تقدم المنافس بهدف فى الدقيقة 85، بدا المشهد قاتمًا والهزيمة ستكتب من نصيب المنتخب البوركيني، لكن دقائق الوقت بدل الضائع حملت فصلًا آخر من القصة، حين ظهر مينونجو فى اللحظة الأصعب، وسجل هدف التعادل فى الدقيقة 95، قبل أن يخطف إدموند تابسوبا هدف الفوز القاتل فى الدقيقة 98، ليخرج المنتخب البوركينى بانتصار درامى قلب الحسابات وغير المعنويات.
ذلك الهدف الذى أحرزه مينونجو لم يكن مجرد كرة سكنت شباك الخصم، بل تتويج لمسيرة بدأت من الألم والمعاناة، ففى ربيع عام 2023، وأثناء معسكر تدريبى مع نادى سياتل ساوندرز الأمريكى فى مدينة ماربيا الإسبانية، تعرض اللاعب لالتهاب حاد فى عينه اليسري، وظهر الأمر فى البداية كعرض بسيط، لكنه تحول سريعًا إلى كابوس طبي، إذ تغير لون العين خلال أيام، قبل أن يفقد البصر فيها بشكل كامل رغم التدخل الجراحى العاجل، بعد أن أكد الأطباء موت العصب البصرى نهائيًا،
كان التشخيص صادمًا للاعب لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره وقتها، التقارير الطبية أوصت باعتزاله مبكرًا، فى لحظة كان يستعد فيها للظهور رسميًا مع الفريق الأول لسياتل ساوندرز، وجد نفسه أمام احتمال فقدان الحلم بالكامل.
لكن مينونجو، رفض الاستسلام وأن ينتهى حلمه، طلب فرصة أخيرة، ليس من أجل المجاملة، بل من أجل الاختبار الحقيقي، وطلب أن يكون الملعب هو الحكم، فرصة أخيرة تحدد الوجهة القادمة إما الاستمرار، أو الاعتزال ونسيان لعب كرة القدم، أشهر طويلة من العمل الشاق بدأت، تعلم خلالها كيف يعوض فقدان الرؤية الجانبية، وكيف يقرأ المساحات بحواسه الأخري، وكيف يثق فى إحساسه بالكرة بدلًا من عينيه.









