فى إقليم تتشابك فيه الصراعات وتتصاعد فيه التهديدات على نحو غير مسبوق، تفرض الجغرافيا والتاريخ على مصر معادلة شديدة الحساسية فى التعاطى مع أزمات دول الجوار مثل فلسطين وليبيا والسودان ومنطقة حوض النيل والصومال..
مصر التى تتوسط واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، لم تعد تنظر إلى ما يجرى حول حدودها بوصفه شأنًا خارجيًا منفصلاً، بل باعتباره امتدادًا مباشرًا لاستقرارها الوطنى وأمنها الداخلى.. ومن هنا برز مفهوم «الخطوط الحمراء» كأحد أهم مرتكزات السياسة المصرية فى السنوات الأخيرة، فى مواجهة محاولات العبث بأمن المنطقة أو فرض وقائع جديدة بالقوة.
وتعكس هذه الخطوط الحمراء إدراكًا عميقًا من القيادة السياسية لما يحدث فى الأقليم والمخططات التى تقف وراءه ويقيناً بأن الفوضى العابرة للحدود لا تعرف التوقف عند حدود سياسية مرسومة على الخرائط، وأن انهيار الدولة الوطنية فى أى من دول الجوار يؤثر على مصر بشكل مباشر ويفتح الباب أمام موجات من الإرهاب، وتدفقات غير منضبطة للأسلحة والمقاتلين، فضلاً عن تهديد المصالح الحيوية لمصر. .لذلك، لم تكن التحذيرات المتكررة من الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن بعض المسارات الإقليمية مجرد رسائل سياسية، بل تعبير عن ثوابت إستراتيجية
لا تقبل المساومة.
غزة .. لا للتهجير

تمثل القضية الفلسطينية، وفى قلبها قطاع غزة، أحد أكثر الملفات أهمية فى حسابات الاستقرار الوطنى المصرى من ناحية الشرق، حيث وضعت القاهرة منذ عقود خطوطًا حمراء واضحة تحكم تعاملها مع تطورات الصراع، خاصة فى ظل التصعيد العسكرى المتكرر ومحاولات فرض حلول قسرية على حساب الحقوق الفلسطينية فى مقدمتها التهجير فى طريق القضية الفلسطينية لكن جاءت الخطوط الحمراء المصرية انطلاقًا من ثوابت تاريخية وسياسية تعتبر أن استقرار غزة جزء لا يتجزأ من أمن الدولة المصرية، وأن أى مساس بهذه الثوابت ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة بأسرها. أعلن الرئيس السيسى خطوط مصر الحمراء بوضوح لا تهجير.. لا تصفية للقضية وسيناء «خط أحمر» كما ان معبر رفح المصرى بوابة لدخول المساعدات وليس لخروج الفلسطينيين.
السودان .. لا للتقسيم
تحتل الأزمة السودانية موقعًا بالغ الحساسية فى حسابات الأمن الوطنى المصري، بحكم الجوار الجغرافى والروابط التاريخية والإنسانية العميقة بين الشعبين. ومنذ اندلاع الصراع المسلح فى السودان، تعاملت القاهرة مع التطورات المتسارعة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، واضعة خطوطًا حمراء واضحة فى مقدمتها رفض هيمنة الميليشيات المسلحة، ورفض أى محاولات لتقسيم أو تفكيك الدولة السودانية، أو انشاء والاعتراف بكيانات موازية للمؤسسات الوطنية والحفاظ على أرواح المدنيين فى ظل التدهور الإنسانى غير المسبوق.
ويأتى الرفض المصرى لدور الميليشيات المسلحة من إدراك خطورة خروج السلاح عن إطار الدولة، وما يترتب عليه من انهيار المؤسسات وانتشار الفوضي، وتحول السودان إلى بؤرة صراع مفتوحة. فالقاهرة ترى أن استمرار وجود قوى عسكرية متناحرة خارج السيطرة الوطنية يمثل عقبة رئيسية أمام أى تسوية، ويغذى حالة الانقسام الداخلى ويهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه الذا كان الحرص المصرى للحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية.
ليبيا ..
لا للمليشيات
بالاتجاه غربا، نجد أن الأزمة الليبية تعتبر أحد أكثر الملفات تعقيدًا فى محيط الاستقرار المصري، نظرًا لطبيعة الجوار الجغرافى الممتد وطول الحدود المشتركة وتشابك المصالح والتهديدات بين البلدين. ومنذ اندلاع حالة الفوضى فى ليبيا فى 2011، تعاملت القاهرة مع هذا الملف باعتباره شأنًا استراتيجيًا لايحتمل المعالجات المؤقتة أو الرهانات الخاطئة، كان الخط الأحمر الأول هو «سرت الجفرة» لمنع الميليشيات والمرتزقة من الاقتراب من حدود مصر أو تهديد أمنها، لكن أيضا كان لمصر خطوط حمراء واضحة حتى وان لم يتم التعبير عنها صراحة وفى مقدمتها رفض الانقسام الداخلى والتحزب المسلح بين الليبيين، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لوحدة الدولة الليبية واستقرار المنطقة بأكملها.
وترى مصر أن استمرار حالة الانقسام السياسى والمؤسسى بين الشرق والغرب وتعدد مراكز القرار يفتح الباب أمام تفكك الدولة الوطنية وتحول ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. لذلك شددت القاهرة مرارًا على أن وحدة الأراضى الليبية ومؤسساتها السيادية، وعلى رأسها الجيش الوطني، تمثل أولوية مصرية لا يمكن تجاوزها، باعتبارها الضمانة الأساسية لإنهاء الفوضى ومنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية طويلة الأمد.
مياه النيل ..
مسألة حياة أو موت
وفى قلب القارة الإفريقية يعتبر ملف حوض النيل أحد أبرز القضايا الإستراتيجية المرتبطة باستقرار مصر، إذ لا تُعد مياه النيل مجرد مورد طبيعي، بل شريان حياة تعتمد عليه الدولة بشكل شبه كامل. ومن هذا المنطلق، وضعت القاهرة خطوطًا حمراء واضحة تحكم تعاملها مع هذا الملف، وفى شأن ملف السد الإثيوبى فى مقدمتها حماية حقوقها المائية التاريخية، ورفض أى تحركات أحادية من جانب دول المنابع تمس حصتها أو تهدد استقرارها المائي، خارج إطار التوافق والالتزام بالقانون الدولي.
أعلنت مصر أنها لن تفرط فى نقطة مياه واحدة من حقوقها المائية وأن هذا الأمر يمثل مسألة حياة أو موت، ومسألة وجودية لا تقبل التهاون.
الصومال ..
لا للانفصال
تأتى الأزمة الصومالية ضمن الملفات التى تحظى باهتمام بالغ فى حسابات الاستقرار المصري، ليس فقط بحكم البعد الإفريقى والعلاقات التاريخية، ولكن أيضًا لارتباطها المباشر بحماية البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية فى العالم ويرتبط بشكل مباشر بمصالح مصر وأمنها القومى لهذا وضعت القاهرة ما يمكن وصفه بخطوط حمراء واضحة فى تعاملها مع التطورات فى الصومال، على رأسها رفض سيناريوهات الانفصال أو تفتيت الدولة وما يسمى دولة «صومالى لاند» المزعومة، لما لذلك من تداعيات خطيرة على مصالح مصر الإستراتيجية واستقرار المنطقة.
وترى مصر أن أى توجهات انفصالية داخل الصومال تمثل تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية فى القرن الإفريقي، وتفتح الباب أمام فراغات أمنية تستغلها التنظيمات المتطرفة والقوى الخارجية الباحثة عن موطئ قدم فى منطقة بالغة الحساسية.









