الشعر الصوفى أو الأدب الصوفى بصفة عامة هو الرومانسية الدينية أو الأدب الدينى مثلما سمى العرب نوعًا من الحب لا يشغل قلب صاحبه الشكل الظاهرى للمحبوبة بقدر ما يشغل قلبه انجذابه الى روحها والتعشق فى جوهر الأشياء لاظواهرها وبالتالى فالأدب الصوفى شعرًا أو نثرًا أدب يجنح الى الذوبان فى حب ذات الإله لا رغبة فى جنة ولا رهبة فى نار، فهو حب بلا غاية سوى حب الله سبحانه وتعالى حتى وصل الأمر ببعضهم أن ابتهلوا إلى الله أن يدخلهم ناره إن كانوا يعبدونه خوفا منها.
ومن نافلة القول أن نذكر أن التصوف الأدبى أو الواقعى ليس فيما يتعلق بالدين أو الحب الإلهى فقط وإنما يتعلق بكل ما كان الحب له يتعلق بذاته وجوهره لا بآثاره ومنافعه ومحسوساته.
وقد لا ينتبه البعض إلى أن هذا النوع من العشق والأدب الذى يصاحبه قديم قدم البشر الذين جبلوا على حب الخالق والشوق إليه فبحثوا عنه فور وعيهم بما حولهم وجبلوا على الحنيين لمعبود لا يدركون كنهه سوى شعور داخلى بالحنين إليه يفسرها البعض بانه اثر النفخة من روح الله او اثر لعهد قطعته الارواح على نفسها لله وهم فى ظهور آدم عليه السلام.
والعشق العذب أو عشق الروح أوالذات نستطيع أن نجده فى شعر شعراء الجاهلية وهم يتحدثون عن محبوباتهم فى صوفية بالغة لاهدف فيها إلا هذه العلاقة القلبية وهذا الذوبان غير المحدود، فهذا ذو الإصبع العدوانى يحدثنا عن حبيبته وحليلته فى خضوع وإنكار ذات فيقول فى مقدمة غزلية:
«يامن لقلب شديد الهم محزون
أمسى تذكر ريا ام هارون
أمسى تذكرها من بعد ما شحطت
والدهر ذو غلظ حينا وذو لين
فإن يكن نأيها أمسى لنا شجنًا
وأصبح الوأى منها لا يواتيني
فقد غنينا وشمل الدهر يجمعنا
أطيع ريا وريا لا تعاصيني
كما نجد هذه الصوفية فى الخضوع للخالق والرضى بما حكم فى مناشدة عبد المطلب ـ كبير قريش وشيخها ـ ربه، وجيش أبرهة الحبشى محدق بمكة ومصير البيت الذى يعظمه العرب وتعتز به قريش قاب قوسين من تحقيق هدفه فيقول فى نهاية مناشدته وذلك قبل البعثة النبوية بأربعين سنة :
إن كنت تاركهم وقبلتنا
فأمر ما بدا لك
فهو خاضع له فى كل الأحوال مقر بحكمه غير ناقم
لكن الشعر الصوفى ظهر بقوة واستقلالية معلنًا عن نفسه فى العصر العباسى حيث ظهر الزهد بقوة أيضا فى مقابل رفاهية مفرطة شهدها هذا العصر حتى تفنن الناس فى وسائل الترف، وقد واكب الشعراء هذا التطرف فى الرفاهية فتناولوا كل ألوانها، وواكب الزهد ـ كما قلنا ـ شعراؤه الذين توفروا عليه ورفعوا رايته.
ذلك لأن من سنن الكون ومجبولات البشر إن كل تطرفيواجهه تطرف على الجانب الآخر وكأنه ميزان إلهى لتستقيم الأمور أو ليدرك الناس نعمة التوسط.
وإذا أطللنا على هذا الأدب فى مجتمعنا المصرى نجد الشاعر الكبير عمر بن الفارض ـ الذى ولد فى 1181 وتوفى فى 1232 ـ يبلغ فى هذا الأدب مبلغًا لم يطاوله فيه أحد حتى صار مدرسة فى هذا اللون من الرومانسية التى تنسحق فيها الذات فى المحبوب فلا يعبأ المحب بأى أمر أو رد فعل لمحبوبة وإنما يذوب فيه عشقا وولها يقول فى مطلع إحدى قصائده:
قلبى يحدثنى بأنك متلفى
روحى فداك عرفت أم لم تعرفِ
لم اقض حق هواك إن كنت الذي
لم اقض فيك هوى ومثلى لايفى









