قرأتُ هذا الأسبوع مباحث متعددة عن الصبر، وتتبعت ما كُتب فيه من آيات وأحاديث وكلامٍ للصالحين، فتوقّف قلبي طويلًا عند هذه العبادة العظيمة، وأحببت أن أنقل لكم بعض ما نلته من روحانيات ومعانيٍ رقّت لها النفس واطمأن لها القلب. فالصبر ليس خُلُقًا يُمدَح فحسب، بل هو طريق سلوك، ومدرسة إيمانية تُربّي القلب على التسليم والثقة بالله.
لقد جعل الله الصبر ركيزة من ركائز الإيمان، حتى قرنه بالصلاة، ووعد أهله بالأجر العظيم، فقال سبحانه: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ». والصبر في حقيقته ليس كبتًا للمشاعر، بل سكون القلب عند جريان الأقدار، وحسن ظنّ بالله لا يتزعزع، وانتظار جميل لفرجه.
حقيقة الصبر ومعناه التفصيلي
الصبر هو حبس النفس على ما يرضي الله، ومنعها عما يسخطه، مع دوام الرضا بحكمته. وله أركان ثلاثة: صبر القلب عن الجزع، وصبر اللسان عن الشكوى، وصبر الجوارح عن المخالفة. وقد قال بعض الصالحين: الصبر أن لا يرى الناس منك شكوى، ولا يرى الله منك إلا رضا. فالصبر ليس إنكارًا للألم، بل توجيه له نحو باب الله وحده.
المرتبة الأولى: الصبر على الطاعة
وهو أن يثبت العبد على العبادات، وإن ثقلت على النفس أو ضعفت الهمة. فالمواظبة على الصلاة، والذكر، وطلب العلم، كلها تحتاج إلى مجاهدة. قال تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ». وكان السلف يرون أن الاستمرار في الطاعة مع المشقة علامة صدق الإيمان.
المرتبة الثانية: الصبر عن المعصية
وهو صبر الخائف من الله، الذي يختار مراقبته على شهوة زائلة. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾. وهذا الصبر يورث القلب نورًا، ويمنح الروح طمأنينة، ويعوّض صاحبه خيرًا مما ترك.
المرتبة الثالثة: الصبر على البلاء
وهو الصبر الذي تُمحَّص به القلوب، وتُرفع به الدرجات. قال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب.. إلا كفّر الله بها من خطاياه».. والصابر يرى في البلاء رسالة، لا نقمة، ويعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
المرتبة الرابعة: الصبر مع الرضا والشكر
وهي أرقى المراتب، حين يطمئن القلب للقضاء، ويرى في كل قدر لطف الله. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء.
..و يبقى الصبر نورًا في القلب، وسرًّا من أسرار السكينة، ومن ذاق معانيه علم أن بعد العسر يسرًا، وأن في الصبر قربًا خاصًا من الله لا يُدركه إلا الموفّقون.









