مصر ليست وطنا يختصر فى صفحة تاريخ ولا حضارة تحكى بصيغة الماضي، مصر كيان حى تتراكم فيه الطبقات كما تتراكم الحضارات وكل طبقة تخفى قدراً جديداً من العطاء، من ينظر إلى خريطة هذه البلاد بعين خبيرة يدرك أن ما فوق الأرض ليس سوى جزء من الحكاية وأن باطنها يحمل من الخيرات ما يؤكد أن قوة مصر لم تكن يوما صدفة بل نتاج جغرافيا استثنائية وعقل عرف كيف يختار مكانه فى التاريخ. فى جنوب هذه الأرض يبرز وادى العلاقى شاهداً صامتا على عبقرية المكان المصرى هذا الوادى لم يكن مجهولاً فى أى مرحلة من مراحل التاريخ عرفه المصرى القديم واستخرج من صخوره الذهب وسار على دروبه الباحثون عن المعدن النفيس عبر العصور، واليوم تؤكد الدراسات الجيولوجية الرسمية أن العلاقى يقع فى قلب الحزام المعدنى للصحراء الشرقية أحد أهم الأحزمة الغنية بالذهب والمعادن فى المنطقة بما يعكس استمرار العطاء عبر آلاف السنين دون انقطاع. لكن عظمة وادى العلاقى لاتقاس فقط بما يختزنه من معادن بل بما يحتضنه من توازن طبيعى نادر، ففى بيئة صحراوية صعبة نجحت الطبيعة المصرية فى فرض معادلتها الخاصة فظهرت نظم بيئية متكاملة تضم نباتات وحيوانات قادرة على التكيف والبقاء هذا التوازن لم يمر على الدولة مرور الكرام فكان قرار إدراج الوادى ضمن المحميات الطبيعية تعبيراً واضحاً عن وعى مصرى بقيمة البيئة وبأن حماية الأرض لا تقل شأناً عن استثمارها. وعندما نتحدث عن وادى العلاقي، فإننا فى الحقيقة نتحدث عن صورة مكبرة لمصر كلها فهذه الدولة التى تمتد من البحر إلى البحر ومن الوادى إلى الصحراء لا تفتقر إلى الموارد بل تزخر بها، ذهب فى الشرق وخامات استراتيجية فى سيناء، وموارد واعدة فى الغرب، ونهر عظيم منح الحياة والاستقرار، هذا التنوع ليس مجرد ميزة جغرافية بل هو أحد أعمدة بقاء مصر دولة قوية ومؤثرة عبر العصور. مدح مصر لا يكون بالمبالغة ولا بالشعارات بل بالثقة الهادئة فى حقيقتها، فالدولة التى تمتلك هذا الإرث من الموارد الطبيعية، وهذا التاريخ الطويل من التعامل مع الأرض، قادرة على تحويل خيراتها إلى قوة اقتصادية راسخة متى أديرت بعقل علمى ورؤية معاصرة، وما يشهده قطاع التعدين اليوم من اهتمام متزايد وتحديث فى التشريعات يعكس إدراكا متناميا بأن هذه الكنوز ليست ترفا، بل ركيزة من ركائز المستقبل. وهنا أؤكد أن وادى العلاقي، فى هذا السياق، ليس مجرد موقع جغرافى بل رمز لقدرة مصر على الجمع بين الأصالة والحداثة وبين احترام الطبيعة وتعظيم العائد وبين قراءة التاريخ وصناعة الغد، هو رسالة واضحة بأن هذه الأرض التى علمت العالم معنى الحضارة مازالت قادرة على العطاء، وأن خيرات مصر لم تكن يوما فصلا من الماضى بل وعدا متجددا بالمستقبل.









