معن الابن الأكبر لصاحبي، شاب ذكي ومهذب أتى به والده ذات يوم على المقهى. وللعلم معن اسم علم مذكر يعني كل ما ينتفع به (قليلاً وكثيراً) وتدل مادته على السهولة والجريان.
وقد أقنعه والده بصعوبة أن يحضر معه ليجالسني ويتحاور معي بوصفي كما قال والده أكاديمي وصاحب فكر.
افتتح والده الكلمات قائلاً (معن) تخرج بتفوق من هندسة حاسب آلي منذ ثلاث سنوات، وقد التحق منذ عام بالعمل بشركة كبرى قطاع خاص، وكانت الأمور على ما يرام في العمل وبالنسبة له لكن فجأة بدأ يسأل عن أمور صعبة وعميقة تتعلق بالوجود الشخصي وجدتي الحياة، بل وما يتعلق بالزواج وإنجاب أطفال… أسئلة تتعلق بفيلسوف لا مهندس هكذا قال لي والده فقلت ضاحكاً: أليس الفيلسوف إنساناً قبل كل شىء؟ وهنا تدخل (معن) ليسألني مباشرة سؤالا مهماً ومربكاً أيضاً: من أجل ماذا تعيش حياتك؟ أجبته بصدق أن الدوافع تختلف من مرحلة عمرية لأخرى، وطوال الوقت أبحث عن دوافع جديدة تجعل لحياتي معنى.
قال (معن) كل من حولي ينصحوني بدافعين أساسيين للحياة، البحث عن النجاح في العمل الذي يجلب المال، ثم الزواج والاستقرار، ثم فاجأني بمعرفته لكن أنا لا أبحث عن اللذة بمعنى (فرويد) والقوة بمعنى (أدلر) فاللذة قصيرة، والقوة مخادعة، ولا يناسبني القصر أو الخداع فتحدثت إليه قائلاً، وما الذي يجعلك بين أمرين فقط، وأكملت حديثي هل قرأت (فيكتور فرانكل) الطبيب النمساوي صاحب مدرسة العلاج بالمعنى؟ فالتقط والده الكلام قائلاً: المعنى يعنى فلسفة! ابتسمت وقلت هذا صحيح إلى حد معقول، واستطردت في حديثي الموجه للأب والإبن، إن أسئلة الوجود الإنساني ومعنى الحياة أسئلة عميقة وضرورية.
والآن بدأ البشر ينفتحون على المعنى لأنه طوق النجاة الأخير من الطوفان الرقمي وخوارزميات الذكاء الإصطناعي، وأنت يا (معن) بحكم تخصصك تعايش هذه الأزمة عن قرب ومعاناة.
ويطرح (فرانكل) تصوره للعودة إمنه، معنى بعيداً عن التجارب المعملية ونتائجها المتلاعب بها ، واستعمال العقاقير التي صارت سيفاً مسلطاً على رقاب المرضى والضائعين إنسانياً عن طريق الإدمان وتغير الأحوال إلى الأسوأ حتى الانتحار.
(معن) أنت تحتاج إلى القيام بعمل أو مهمة على المستوى الشخصي تجعلك مختلفاً عن الآخرين فتصنع لك حيزاً خاصاً تشرق فيه شمسك على أيامك فتمنحك النور والدفء، أنت تحتاج إلى تجربة شىء ما بشكل كامل كأن تحب شخصاً آخر تشعر أنه يفكر فيك ويهتم بك كما تفكر فيه وتهتم به في الوقت نفسه.
وقد استخدم (فرانكل) تقنيات فاعلة كتقنية التوجه المعاكس أو تشجيع المريض على فعل ما يخشاه لإدراك عدم الخوف منه، كما استخدم الحوار السقراطي الذي يطرح أسئلة مفتوحة للمساعدة في اكتشاف القيمة ومعنى الحياة.
عليك أن تقرأ (قرانكل) وتستأنف الحوار مع نفسك في رحلة البحث عن المعنى، وكما يقول المبدع (سيد حجاب) ايه معنى دنيتنا وغاية حياتنا… إذا بعنا فطرتنا البريئة الرقيقة.









