حكايات مصرية
الحضارة المصرية القديمة من أقدم وأعرق حضارات العالم أجمع، فقد حظيت مصر القديمة بتقدير واحترام العالم القديم والحديث، ففى العصر الحديث تتهافت الدول جميعها على اقتناء القطع الفنية والأثرية التى خلفتها تلك الحضارة القديمة.
وتفتخر دول العالم التى تقتنى بعضا من كنوز الآثار المصرية بهذه القطع وتخصص لها أفخم قاعات العرض وأحدث وسائل الحفظ أو تعرضها فى أهم وأكبر ميادينها لتمتع عين الناظرين إليها.
وتعتبر المسلة المصرية التى تزين أشهر ميادين فرنسا «ميدان الكونكورد» من أهم قطع الآثار المصرية.
والسؤال الذى يطرح نفسه هو كيف خرجت مسلة «رمسيس الثانى» من مصر إلى فرنسا؟
يقول الباحث الأقصرى عبدالمنعم عبدالعظيم: لعل علم المصريات يدين بالكثير لجهود العالم الفرنسى»شامبليون» فقد كان نجاحه فى حل رموز حجر رشيد الذى اكتشفه الضابط «بوشارد» أثناء الحملة الفرنسية على مصر انقلابا تاريخيا جعل من نقوش المعابد المصرية كتابا مفتوحا وبفضل «شامبليون» عرف العالم هذه الجذور العريقة لأعظم حضارة والتصق باسمه لقب المصرى.
ولقد زار «شامبليون» مصر عام 1828 وعاش فترة فى الأقصر واختار كوخا من اللبن بالقرنة لإقامته كان يحلو له تسميته بالقصر وعاش شهورا فى مقبرة رمسيس الرابع بمدخل جبانة وادى الملوك وقضى أيامه فى الأقصر يسجل نقوش المعابد والمقابر والسراديب ويترجم النقوش الفرعونية الخالدة.
ومن شدة إعجابه بمسلتى معبد الأقصر التى شيدهما رمسيس الثانى أوصى بنقل إحداها إلى باريس ووضع الخطة التى تم بها نقلها على «دمث» يطفو على النيل ويرفعه الفيضان إلى البحر ولقد برر وصيته بنقل المسلة قائلاً: «انه ينقلها لكى يقف أمامها فى خشوع الفنانين والمبدعين».
ومن هنا نتساءل ترى لو ظلت هذه المسلة فى خدرها الآمن بجوار شقيقتها الشامخة فى معبد الأقصر هل كانت ستحرك وجدان المفكر الفرنسى «جوستاف فوليير» الذى قال عن مسلة باريس «ما أشده من أسى تلك التى تعانيه تلك المسلة وهى فريدة هنا فى ميدان الكونكورد فكم تحن إلى نيلها ترى ماذا يدور بخلدها وهى تنظر إلى العربات تروح وتغدو بين يديها بدلاً من العجلات الفرعونية التى كانت تقف تحت قدميها.
أما الشاعر الفرنسى «جوتيه» الذى كتب قصيدته الرائعة «حنين بين مسلتين» والتى يقول فيها: كم يقسو على الملل فى هذا الميدان الوحشى.. أنا المسلة المنتزعة من جذورها.. يرتعد جبينى الذى لوثه الصدأ.. وأخذ يتعاودنى الجليد والصقيع والرزاز والمطر، ليتنى أعود ثانية لبلادى من جديد إلى جانب شقيقتى الوردية.
كان رفاعة الطهطاوى رائد حركة التنوير الفكرى فى مصر خلال القرن التاسع عشر أول من اعترض على نقل المسلة بعد عودته من بعثته العلمية فى باريس ورأى الخطوة بمثابة إهدار للثروة القومية ان عودة تراث مصر المنهوب إلى أرضها هو حقها الذى يجب ألا تسكت عنه.









