قهوة الصباح
من تمديد النفوذ إلى تفتيت الجغرافيا لم يكن الانتقال من مفهوم «اللحاف الممدود» إلى «اللحاف المثقوب» انتقالاً بلاغيًا فحسب، بل هو توصيف دقيق لتحول عميق تشهده المنطقة العربية فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخها. فاللحاف الممدود كان يشير إلى صراع نفوذ إقليمى ودولي، تحاول فيه القوى الكبرى تمديد أذرعها السياسية والعسكرية والاقتصادية فوق الجغرافيا العربية، أما اللحاف المثقوب فهو مرحلة أخطر: مرحلة تفتيت الجغرافيا ذاتها، وتحويل الدول إلى خرائط مجزأة، مليئة بالثقوب التى تنفذ منها المصالح الخارجية بلا عوائق.
>>>
الاعتراف الإسرائيلى بما يسمى «جمهورية أرض الصومال» لا يمكن قراءته كحدث معزول أو قرار دبلوماسى محدود الأثر. بل هو حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من محاولات إعادة تشكيل منطقة القرن الأفريقى والبحر الأحمر، بما يخدم مصالح قوى بعينها، على حساب وحدة الدول العربية واستقرارها. فملف أرض الصومال يرتبط عضوياً بعلاقاتها المتنامية مع إثيوبيا وإسرائيل، ولا يمكن فصله عن ملفات دارفور فى السودان أو الجنوب اليمنى أو حتى السيناريوهات المطروحة لسوريا.
>>>
عند تحليل أى حدث سياسى كبير، يصبح سؤال «من المستفيد؟» هو المفتاح، إثيوبيا الدولة الحبيسة، تبحث منذ سنوات عن موطئ قدم على البحر الأحمر، ليس فقط لأسباب اقتصادية تتعلق بالتجارة والموانئ، بل لأسباب استراتيجية تضمن لها دورًا إقليميًا متقدمًا فى شرق أفريقيا. الاعتراف أو دعم كيان انفصالى فى شمال الصومال يمنحها نافذة بحرية محتملة، ويغير موازين القوى فى المنطقة.
>>>
أما إسرائيل، فمصالحها أوضح من أن تُخفي، التمركز فى القرن الأفريقى يتيح لها الاقتراب من واحد من أهم الممرات البحرية فى العالم: باب المندب وخليج عدن. وهو تموضع يسمح بمراقبة خطوط التجارة العالمية، ومواجهة الحوثيين من أقرب نقطة ممكنة على البحر الأحمر، فضلاً عن تطويق الأمن القومى العربى من خاصرته الجنوبية.
>>>
فى المقابل، ترفض قوى إقليمية رئيسية مثل مصر وتركيا والسعودية بشكل قاطع أى إجراءات انفصالية فى الصومال أو السودان أو اليمن، هذا الرفض لا ينبع فقط من تضامن سياسى أو شعارات وحدوية، بل من إدراك عميق بأن السماح بثقب واحد فى لحاف الدولة الوطنية سيفتح الباب أمام ثقوب أخرى لا يمكن السيطرة عليها، فما يحدث فى الصومال اليوم قد يتكرر فى السودان غدًا، ثم فى اليمن، وربما فى دول عربية أخرى تعانى هشاشة داخلية أو صراعات ممتدة.
>>>
المشهد القادم ينذر بخريطة إقليمية شديدة التعقيد والخطورة. تخيل أن نصحو يومًا لنجد دولة جديدة فى اليمن باسم «الجنوب العربي»، ودولة أخرى فى الصومال باسم «أرض الصومال»، وثالثة فى السودان باسم «دارفور»، وربما دول رابعة وخامسة فى سوريا على أسس عرقية وطائفية: درزية، علوية، كردية. عندها لن يكون الحديث عن تمدد نفوذ، بل عن انهيار كامل لفكرة الدولة الوطنية كما عرفناها.
>>>
نظرية اللحاف المثقوب تعكس هذه اللحظة التاريخية بدقة. فالثقوب ليست فقط حدودًا جديدة تُرسم بالقوة، بل هى فراغات سيادية، تُفقد الدول قدرتها على التحكم فى أراضيها وقراراتها وكلما زادت الثقوب، بات اللحاف عاجزًا عن التدفئة أو الحماية، مهما حاولنا شده أو ترقيعه.
>>>
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى المخططات الخارجية، بل فى قابلية الداخل العربى للاختراق. الصراعات الأهلية، والانقسامات السياسية، وتآكل مفهوم المواطنة، كلها عوامل تجعل اللحاف هشًا وقابلاً للتمزق. وإذا لم تدرك الدول العربية حجم ما يُحاك، وتتحرك بمنطق استراتيجى جماعي، فإن مرحلة اللحاف المثقوب قد لا تكون النهاية، بل مجرد بداية لفوضى جغرافية وسياسية طويلة الأمد.









