تكشف الوثائق والتقارير البحثية الحديثة عن شبكة واسعة ومنظمة من النفوذ الإخوانى داخل الجامعات الأمريكية والأوروبية، حيث نجحت الجماعة، عبر عقود من العمل الممنهج والتمويل الضخم، فى تحويل هذه المؤسسات الأكاديمية إلى منصات لنشر أيديولوجيتها وتجنيد الكوادر وتشكيل السياسات.
ما كان يُعتبر مجرد نظريات مؤامرة بات اليوم واقعًا موثقًا بالأرقام والأسماء والمبالغ المالية الفلكية.
الشبكة الأكاديمية الإخوانية: من «القرضاوى» إلى «رمضان»
يمثل يوسف القرضاوي، الذى توفى عام 2022، نموذجًا لكيفية اختراق الجماعة الإرهابية للمؤسسات الأكاديمية الغربية، فقد أسس القرضاوى عام 1997 المجلس الأوروبى للإفتاء والبحوث فى دبلن بإيرلندا، الذى يعد المرجع الدينى الأساسى للإخوان فى أوروبا، وترأس القرضاوى هذا المجلس منذ تأسيسه، كما أسس عام 2004 الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، الذى ضم علماء إخوانيين من جميع أنحاء العالم وأصدر فتاوى مثيرة للجدل تخدم الفكر الإخوانى المتطرف.
والأخطر من ذلك، أن القرضاوى صاغ نظرية «فقه الأقليات» التى تقدم للمسلمين فى الغرب مساحة للمناورة والمساومة بين حياتهم اليومية والشريعة الإسلامية، بهدف تقويض القيم الغربية تدريجيًا، وقد صرح القرضاوى بوضوح تام، بأن الإسلام سيفتح أوروبا دون اللجوء إلى السيف أو القتال، وأن الفتح سيكون من خلال الدعوة والأيديولوجيا».
أما طارق رمضان، حفيد إمام العنف حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية، فقد شغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة فى جامعة أكسفورد.
رمضان، الذى يصف نفسه بأنه «إصلاحي»، نجح فى تقديم نفسه كمعتدل أمام الجمهور الغربى بينما يحمل فى طياته أجندة إخوانية واضحة، وقد كان له تأثير كبير على الشباب المسلم فى أوروبا من خلال محاضراته وكتبه العديدة التى كانت تروج للفكر الإخوانى وتجنيد الشباب.
البذرة الإخوانية الأولى
تأسست أولى فروع جمعية الطلبة المسلمين (MSA) فى عام 1963 فى جامعة ميشيجان وجامعة إلينوي، والأهم من ذلك، أن القيادة الأولى للجمعية جاءت بتوجيه من طلاب ينتمون إلى جماعة الإخوان المصرية وجماعة الإسلامى الباكستانية وقد سعت هذه الجمعية إلى الانتشار الناعم الخبيث.
واليوم، تنتشر جمعية الطلبة المسلمين فى أكثر من 600 جامعة أمريكية، بما فى ذلك جامعات كولومبيا ونيويورك وييل وهارفارد. ويصف تقرير معهد ISGAP الجمعية بأنها «الوسيلة الأساسية للنفوذ فى الحرم الجامعي».
وقد لعبت جمعية الطلبة المسلمين دورًا محوريًا فى الاحتجاجات التى اجتاحت الجامعات الأمريكية بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث تعاونت بشكل وثيق مع منظمة «طلاب من أجل العدالة فى فلسطين» (SJP). وأقامت فروع الجمعية فى جامعات مثل فاندربيلت وكاليفورنيا صلوات جماعية مما يعكس تسييس الدين وتوظيفه لخدمة الأجندة الإخوانية.
وفى شهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية فى مجلس العموم الكندى عام 2015، اعترف طارق فتاح، مؤسس مؤتمر المسلمين الكنديين: «بأن كل مكتب لجمعية الطلبة المسلمين هو مكتب للإخوان المسلمين فى كندا»
الشبكة الأوروبية : FEMYSO والمجلس الأوروبى للمسلمين
على الجانب الأوروبي، يمثل المنتدى الأوروبى لمنظمات الشباب والطلاب المسلمين (FEMYSO) الذراع الطلابى للإخوان فى أوروبا. تأسس المنتدى عام 1996، ويضم 32 منظمة عضوًا فى 22 دولة أوروبية. ومقره فى بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، مما يمنحه قربًا استراتيجيًا من مؤسسات صنع القرار الأوروبية.
والأمر المثير للقلق أن FEMYSOأصبحت»الصوت الفعلى للشباب المسلم فى أوروبا»وتُستشار بانتظام فى القضايا المتعلقة بالشباب المسلم. كما طورت علاقاتها مع البرلمان الأوروبى والمفوضية الأوروبية ومجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون فى أوروبا والأمم المتحدة، وقد تلقى المنتدى تمويلًا من الاتحاد الأوروبى بلغ 134 ألف يورو من إجمالى مشاريع بقيمة 563 ألف يورو فى الفترة 2014-2021 وهذا يعنى أن دافعى الضرائب الأوروبيين يمولون منظمة متهمة بشكل واسع بالارتباط بجماعة الإخوان الإرهابية.
ومن القيادات البارزة فى FEMYSO انتصار الخريجي، ابنة راشد الغنوشى زعيم حركة النهضة الإخوانية فى تونس وبينما كانت الخريجى تشغل مناصب قيادية فى FEMYSO، شاركت عام 2011 فى إعداد تقرير مشترك مع مجلس أوروبا بعنوان «مكافحة الإسلاموفوبيا من خلال العمل بين الثقافات والأديان».
وفى مايو 2025، أشار تقرير للمخابرات الفرنسية حول نفوذ الإخوان فى فرنسا إلى أن FEMYSO هى «الفرع الشبابى لمجلس المسلمين الأوروبيين» وتعمل كـ»بنية تدريبية للكوادر ذات الإمكانات العالية للحركة».
منظمة الإغاثة الإسلامية: الواجهة الخيرية
منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية (Islamic Relief Worldwide)، التى يقع مقرها فى المملكة المتحدة، تمثل نموذجًا آخر لاختراق الجماعة الإرهابية للمؤسسات الأكاديمية الأوروبية. ففى عام 2014، أعلن وزير الدفاع البريطانى المنظمة غير قانونية بسبب دورها المزعوم فى تحويل الأموال إلى حماس.
ومع ذلك، فإن المنظمة تلقت تمويلًا كبيرًا من الحكومات الأوروبية. ففى عام 2012 وحده، منحتها المفوضية الأوروبية 2.17 مليون جنيه إسترليني. وبلغ إجمالى التمويل الأوروبى للمنظمة 18.8 مليون يورو.
وبحسب منتدى الشرق الأوسط، فإن منظمة الإغاثة الإسلامية أسسها «أعضاء بارزون فى جماعة الإخوان المصرية». ومع ذلك، رفضت المفوضية الأوروبية فتح تحقيق فى أنشطة المنظمة رغم الاتهامات الخطيرة.
تمويل غير مقصود
فى الفترة من 2007 إلى 2020، تلقت المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية أكثر من 40 مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك منظمات مثل FEMYSO ومنظمة الإغاثة الإسلامية والشبكة الأوروبية لمكافحة العنصرية (ENAR)
وقد أثار عدد من أعضاء البرلمان الأوروبى مخاوف بشأن هذا التمويل فى أسئلة كتابية إلى المفوضية الأوروبية. لكن المفوضية استمرت فى الدفاع عن هذا التمويل، زاعمة أنها تدعم فقط المنظمات التى تحترم حقوق الإنسان والقيم الأساسية للاتحاد الأوروبي.
ولكن المفارقة أن المفوضية علقت المدفوعات لبعض المشاريع المرتبطة بالعالم السياسى المثير للجدل فريد حافظ ومشروع»I Report»لكن هناك أدلة متزايدة على أن منظمات أخرى لها صلات بالإخوان تحاول الحصول على تمويل من الاتحاد الأوروبى من خلال تحالف CLAIM
الاتحاد والمعاهد التعليمية
فى فرنسا، يمثل اتحاد المنظمات الإسلامية فى فرنسا (UOIF)، الذى أعاد تسمية نفسه «مسلمو فرنسا» عام 2017، الفرع الوطنى للإخوان. تأسس الاتحاد عام 1983 على يد ناشطين طلابيين تونسيين من حركة النهضة ولاجئين من الشرق الأوسط.
ويضم الاتحاد اليوم حوالى 250 جمعية تدير أماكن العبادة والمساجد وغرف الصلاة. كما أسس عام 1992 المعهد الأوروبى للعلوم الإنسانية (IESH) بالقرب من شاتو شينون، المتخصص فى اللاهوت الإسلامى واللغة العربية، بهدف تدريب الأئمة فى فرنسا. وفى حفل التخرج الأول عام 1997، كان يوسف القرضاوى من بين الضيوف.
كما توسع الاتحاد فى مجال التعليم، حيث افتتح خمس مدارس معترف بها من قبل الدولة، بما فى ذلك كلية أفيروس فى ليل عام 2003 وكلية ابن خلدون فى مرسيليا عام 2004 وقد حدد تقرير للمخابرات الفرنسية فى مايو 2025 أن 21 مدرسة (من أصل 74) مرتبطة بحركة الإخوان، بالإضافة إلى مركزى التدريب للدعاة فى المعهد الأوروبى للعلوم الإنسانية.
من الاحتجاجات إلى التطرف
شهدت الجامعات الأمريكية بعد هجوم حماس فى السابع من أكتوبر 2023 موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات، حيث اجتاحت الاحتجاجات أكثر من 60 جامعة فى وقت واحد. والأمر الملفت أن هذه الاحتجاجات أظهرت تنسيقًا غير مسبوق عبر الجامعات، مع ظهور متزامن لرسائل متطابقة وتكتيكات احتجاج موحدة.
وقد كشفت التحليلات أن المنظمين اعتمدوا بشكل مباشر على مواد وشعارات من قنوات إعلامية تابعة للإخوان، وتبادلوا بشكل منهجى محتوى من منصات رسمية لمنظمات إرهابية. كما أظهرت السجلات المالية أنماطًا مريبة من تدفقات التمويل إلى منظمات الحرم الجامعى قبل أعمال احتجاجية كبيرة مباشرة..
تقارير: ISGAP توثيق الاختراق الممنهج
أصدر معهد (ISGAP) سلسلة من التقارير المفصلة توثق اختراق جماعة الإخوان الإرهابية للجامعات الغربية، ويكشف تقرير عن جامعة جورج تاون عن «حملة استمرت 50 عامًا» للإخوان فى الجامعة، شكلت السياسة الخارجية الأمريكية وطبعت التطرف المعادى للغرب داخل الدوائر الأكاديمية النخبوية.
ويشير تقرير صدر فى نوفمبر 2025 بعنوان «الدخول الاستراتيجى للإخوان إلى الغرب: تحليل منهجي» إلى أن الجماعة تتبع «استراتيجية مدتها 100 عام لتضمين نفسها فى المؤسسات الحاسمة فى الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية الأخري، بهدف تقويض وتفكيك ديمقراطيتنا»
ويحدد التقرير، الذى يقع فى 200 صفحة، تكتيكات «الجهاد» للجماعة، والتى تشمل ممارسة النفوذ على المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية، ويصف الحرم الجامعى بأنه «ساحة معركة حيوية بشكل خاص» لمبادرات الجماعة الإرهابية.
ويؤكد التقرير أن جمعية الطلبة المسلمين، التى لها فروع فى أكثر من 600 جامعة، هى «الوسيلة الأساسية للنفوذ فى الحرم الجامعي». كما يصف منظمة «طلاب من أجل العدالة فى فلسطين» بأنها تعمل كـ «ذراع عمل سياسي» يروج لأهداف الإخوان.
ويكشف التقرير عن «اختراق منهجى للتخصصات الأكاديمية» من خلال شبكات الإخوان عبر تعيينات أعضاء هيئة التدريس، مما يخلق «تكتلات أيديولوجية»، وتشكيل محتوى المناهج وأساليب التدريس، وتوجيه البحوث لتتماشى مع أولويات الإخوان، وتطوير مراكز أكاديمية مدعومة بتمويل من عدة دول لتعزيز أهداف الإخوان.
الغزو بلا سيف
كانت رؤية يوسف القرضاوى لغزو أوروبا واضحة وصريحة. ففى يوليو 2007، قال ان «الإسلام سيفتح أوروبا دون اللجوء إلى السيف أو القتال. الفتح سيكون من خلال الدعوة والأيديولوجيا»
وقد حدد القرضاوى ثلاث أدوات رئيسية لهذا الغزو: الدعوة، التى تشمل التعليم والعمل الخيرى والمساعدات الاجتماعية لتقريب الآخرين من الإسلام؛ الأيديولوجيا، التى تنشر من خلال المؤسسات الدينية والسياسية ويتردد صداها عبر المنصات الإعلامية؛ والخصوبة، القائمة على انخفاض معدل المواليد بين المسيحيين الأوروبيين مقارنة بالعائلات المسلمة الأكبر.
وقد فهم القرضاوى نقاط الضعف فى البنية الأوروبية وكيف يمكن استغلالها. فالحريات الأساسية والحقوق التى تمنحها الديمقراطيات الأوروبية هى -الطريق-لغزو القرضاوى لابد لحرية التعبير أن تسمح باحتجاجات لا نهاية لها ومزعجة ومخيفة ضد إسرائيل.وحرية تكوين الجمعيات تستغلها الجمعيات الخيرية ومجموعات العمل السياسي، بينما يوفر الحق فى الخصوصية جدار حماية للأنشطة المعادية للدولة المضيفة.
رغم التحذيرات المتكررة، لا تزال أوروبا تفشل فى مواجهة خطر الإخوان بجدية، بل أن النمسا هى الدولة الأوروبية الوحيدة التى حظرت الإخوان، ولم يؤد ذلك إلى أى انتهاك كارثى فى العلاقات المجتمعية.
وتصف مقالة حديثة نشرتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أوروبا بأنها «تسير نائمة نحو اللعبة الطويلة للإخوان». فالجماعة حسب وصف المقال أكثر رسوخًا فى أوروبا، والحكومات الأوروبية تفتقر إلى السلطة والجرأة التى تميز إدارة ترامب والأغلبيات ذات التفكير المماثل فى الكونغرس والمحكمة العليا.
وتحذر المقالة من أن «المبادئ الليبرالية لحماية الأقليات والاحتفال بالتعددية الثقافية ورفض العنصرية ساهمت جميعها فى خلق ظروف يقول بعض الإسلاميين صراحة إنها يمكن أن تؤدى إلى غزو أوروبا. أو إعادة الغزو، حيث لم ينس الإسلاميون أبدًا أن الخلافة شملت ذات يوم مساحات واسعة من جنوب أوروبا».
فرنسا تستيقظ: تقرير وزارة الداخلية
فى مايو 2025، أصدرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريرًا مفصلاً عن نفوذ الإخوان فى فرنسا. يحدد التقرير استراتيجية الجماعة السرية طويلة الأجل لاختراق المؤسسات العامة والمدارس والحكومات المحلية لتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويسلط التقرير الضوء على هدفهم فى تقويض العلمانية الفرنسية والمساواة بين الجنسين. ويقدم أدلة محددة على هذه الاستراتيجية من خلال أنشطة «مسلمو فرنسا» «الاتحاد سابقًا»، المحدد كفرع وطنى للإخوان، والمرتبط بحوالى 200 مسجد يجذب ما يقرب من 100 ألف مصلٍ أسبوعيًا، و300 جمعية عبر القطاعات الدينية والخيرية والتعليمية والمهنية، وحوالى 20 مدرسة خاصة تضم أكثر من 4200 طالب.
والأخطر، كما يشير التقرير إلى أن الإخوان يسعون إلى أسلمة الأوساط الأكاديمية تحت ستار مكافحة «الإسلاموفوبيا» وتشويه سمعة الأكاديميين المشككين فى أهداف الإخوان السياسية. ويدعو التقرير إلى «فرع أكاديمى ثالث» أكثر موضوعية وأقل أيديولوجية، مما يعنى أن منتقدى الإسلام السياسى يمثلون مشكلة مثل من يدعمونه.
الاستنتاج: جامعات محتلة أم جامعات متواطئة؟
الأدلة الموثقة من التقارير البحثية الرصينة والبيانات الرسمية والشهادات البرلمانية تشير بوضوح إلى أن الجامعات الأمريكية والأوروبية لم تعد مجرد مؤسسات أكاديمية محايدة، بل أصبحت منصات فعالة لنشر الأيديولوجيا الإخوانية وتجنيد الأجيال الجديدة وتشكيل السياسات.
التمويل الضخم، الذى يقاس بمليارات الدولارات، لم يكن تبرعات خيرية بل استثمارات استراتيجية لشراء النفوذ. الشبكة المنظمة من جمعية الطلبة المسلمين وFEMYSO ومنظمة الإغاثة الإسلامية والمجلس الأوروبى للإفتاء والبحوث تشكل بنية تحتية كاملة للنفوذ الإخواني.
إن وضع أكاديميين مثل طارق رمضان فى أكسفورد وجون إسبوزيتو فى جورج تاون، وتمويل مراكز الدراسات الإسلامية، وتأسيس مدارس ومعاهد تدريب الأئمة، كلها تشير إلى استراتيجية ممنهجة ومدروسة.
الاحتجاجات المنسقة عبر عشرات الجامعات بعد السابع من أكتوبر 2023، والرسائل الموحدة، والتكتيكات المتطابقة، واعتماد شعارات حماس، كلها تشير إلى أن هناك يدًا خفية توجه هذه الحركات.
السؤال لم يعد: هل أصبحت الجامعات الأمريكية والأوروبية أبواقًا للإخوان الإرهابية؟ بل: كيف نواجه هذا الاختراق الممنهج الذى يهدد مستقبل الأجيال وأمن المجتمعات؟
الإجابة تبدأ بالمطالبة بالشفافية التامة فى الكشف عن مصادر التمويل، ومراجعة صارمة للمناهج والبرامج الأكاديمية، ومحاسبة المؤسسات التى تتلقى تمويلًا أجنبيًا مشبوهًا، ووقف التمويل الحكومى للمنظمات المرتبطة بالإخوان. وفى النهاية، لا بد من صحوة غربية حقيقية تدرك أن الديمقراطية والحريات يمكن أن تُستغل لتدميرها من الداخل، لأن السذاجة السياسية قد تكون أخطر من أى تهديد خارجي.
إن استعادة الجامعات الغربية من قبضة جماعة الإخوان الإرهابية ليست معركة ضد الإسلام أو المسلمين، بل هى معركة من أجل الحرية الأكاديمية والنزاهة الفكرية والأمن القومي. فالإخوان استغلوا الحريات الغربية لتقويض المجتمعات الغربية من الداخل، واستخدموا الأموال الضخمة لشراء النفوذ وتشكيل الأفكار وتجنيد الأجيال.
والمواجهة الفعالة تتطلب نهجًا شاملًا ومتوازنًا يجمع بين الشفافية المالية، والتصنيف القانوني، وإصلاح المناهج، ومراقبة المنظمات الطلابية، وإعادة هيكلة التمويل الأوروبي، والتعاون الدولي، وحماية الباحثين المعتدلين، وإصلاح الخطاب الإعلامي، والمساءلة الأكاديمية، وبناء تحالف عابر للأطلسي.
هذه ليست خارطة طريق لقمع الحريات، بل هى خارطة طريق لحمايتها. فالحرية الحقيقية لا تعنى الفوضى أو السماح للأيديولوجيات المتطرفة بالسيطرة على المؤسسات الأكاديمية. بل تعنى خلق مساحة آمنة للبحث العلمى النزيه، والنقاش الحر المسؤول، والتعددية الفكرية الحقيقية، والالتزام بالقيم الديمقراطية الأساسية.
والجامعات التى تحررت من النفوذ الإخوانى لن تكون أقل انفتاحًا على المسلمين أو الإسلام، بل ستكون أكثر انفتاحًا على التنوع الحقيقى للفكر الإسلامي. وستكون مساحات حيث يمكن للطلاب المسلمين أن يتعلموا عن دينهم من منظورات متعددة، وليس فقط من منظور الإخوان. وستكون منابر حيث يمكن للباحثين المسلمين المعتدلين أن يزدهروا دون خوف من الترهيب الإخواني.
إن الطريق طويل والتحديات كبيرة، لكن الرهان أكبر. فمستقبل الأجيال القادمة، وأمن المجتمعات الغربية، ومصداقية المؤسسات الأكاديمية، كلها على المحك. والتاريخ سيحكم على هذا الجيل من القادة السياسيين والأكاديميين بناءً على شجاعتهم فى مواجهة هذا التحدى أو تقاعسهم عن مواجهته.









