لم تكن أم كلثوم يومًا مجرد مطربة يمكن استدعاؤها كلما ضاق خيال صُنّاع الدراما، ولا أيقونة قابلة لإعادة التشكيل وفق مزاج السوق أو حسابات الشهرة السريعة. أم كلثوم كانت مشروعًا وطنيًا كاملاً، وصوتًا صاغ وجدان أمة، ورمزًا ثقافيًا يجب ألا يُمسّ إلا بوعى ومسئولية. ومن هنا، فإن العبث بسيرتها تحت لافتة حرية الإبداع لا يمكن اعتباره اختلافًا فنيًا مشروعًا، بل يصبح سؤالاً أخلاقيًا وسياسيًا: من يملك حق تشويه الرموز؟ ولمصلحة من فى هذا الوقت بالذات؟
أم كلثوم التى فرضت نموذجاً محتشمًا للمرأة الفنانة دون أن تستعير ملامح أحد، ورفضت تقليد غيرها، لم تكن فقط سيدة الغناء، بل سيدة حضور وقرار. وهى ذاتها التى تبرعت عام 1976 بأربعة عشر ألف جنيه إسترلينى لصالح الجيش المصري، وقالت ببساطة: «ده مش كتير على بلدي». فهل يُعقل أن تتحول هذه السيدة، فى سرديات لاحقة، إلى نموذج للأنانية أو البخل أو الهشاشة الإنسانية المصطنعة؟
الهجوم على فيلم «الست» لم يكن أزمة تشابه ملامح، ولا اعتراضًا سطحيًا على اختيار ممثلة، بل اعتراض على المنهج: منهج الانتقاء المريب، وإعادة ترتيب الوقائع بما يخدم الإثارة لا الحقيقة، والاقتراب من الهامش الإنسانى على حساب الجوهر الفنى والوطني. فالخطر الحقيقى ليس فى لقطة أو مشهد، بل فى الرسالة المتراكمة التى تُقدَّم للأجيال الجديدة عن واحدة من أهم رموز مصر المعاصرة.
لأن التاريخ لا يُقرأ من غرف المونتاج وحدها، فإن شهادة الكاتب الصحفى الكبير مصطفى أمين تفضح زيف كثير من الادعاءات. حين حكى واقعة رفض أم كلثوم إقراض أحد أفراد فرقتها خمسة جنيهات، ثم كشف لاحقًا أنها كانت تعاقبه على القمار بينما أرسلت المال سرًا لزوجته، أسقط عمليًا كذبة «بخل أم كلثوم». هنا لا نتحدث عن فنانة، بل عن عقل أخلاقى صارم، يرفض شراء الخطأ بالمال، ويؤمن بأن الرحمة أحيانًا تكون قاسية، لكنها عادلة.
يأتى الفنان محمد صبحى ليُكمل الصورة من زاوية أخرى، لا أقل حسمًا. صبحى لم يتحدث عن انطباعات متأخرة، بل عن تجربة شخصية حين عمل شابًا على شباك تذاكر حفلات أم كلثوم، ورأى بعينيه كيف كان الناس يتعاملون معها باحترام يكاد يشبه التقديس الشعبي. لذلك كان طبيعيًا أن ينسف دعاوى البخل بقوله القاطع: «مفيش أكرم من أم كلثوم». الأخطر فى حديث صبحى تحذيره من لحظة يغيب فيها صوت الاعتراض، فلا يبقى من يقول «عيب»، معتبرًا أن ترك الرموز نهبًا للتشويه ليس حرية، بل تفريط فى الريادة المصرية، ومسئولية دولة قبل أن تكون خلافًا فنيًا.
أما الناقدة الكبيرة ماجدة موريس، فرغم محاولتها قراءة فيلم «الست» بعيدًا عن الانفعال، فإن تحليلها كشف بوضوح اختلالات لا يمكن تبريرها. فهى تُقر بالجهد الفني، لكنها تفضح انتقائية السرد، وتغييب أسماء وعلاقات صنعت مجد أم كلثوم، وتقزيم حضورها الوطنى والسياسي، وعلى رأسه علاقتها بجمال عبد الناصر. هنا لا يصبح السؤال: هل الفيلم جيد الصنع؟ بل: لماذا اختير هذا الجزء من الحكاية؟ ولماذا صمت الفيلم عن أجزاء أخرى لا تقل أهمية؟
فى ضوء هذه الشهادات، يبدو كلام الناقد محمد شوقى أقرب إلى صيحة إنذار. فالرجل تساءل: ما الفائدة من التركيز على مشاعر المرأة بمعزل عن مشروعها الفنى والأخلاقي؟ ولماذا الإيحاء بجوانب سلبية كاذبة فى سيرة إنسانة عُرفت بالتدين، وحفظ القرآن، والعمل الخيري، واحترام شركاء رحلتها الفنية؟
القضية إذن ليست فيلمًا، ولا ممثلة، ولا مخرجًا، بل معركة وعي. معركة على الذاكرة، وعلى صورة مصر الثقافية، وعلى حق الأجيال القادمة فى معرفة رموزها دون تشويه أو تسطيح. أم كلثوم ليست قديسة، لكنها أيضًا ليست مادة خام لإعادة التفكيك تحت ضغط السوق أو إغراء الجوائز الخارجية.
السؤال الذى يجب ألا نهرب منه:
هل نريد فنًا يقرأ التاريخ ويقدم للناس ما ينفعهم فى حاضرهم ومستقبلهم ويعزز لديهم قيم الحق والخير والجمال والانتماء والفخر بأمجاد الوطن وعظمة أبنائه المبدعين الذين شهد لهم العالم بالريادة والعظمة والعبقرية.. أم فنًا يزوّر التاريخ باسم الحداثة وحرية التعبير والإبداع؟
أم كلثوم ستظل قامة عصيّة على الكسر، نعم. لكن تركها بلا دفاع فى الوعى العام، هو كسر بطيء للذاكرة… والذاكرة إذا انكسرت، لا تُغنّى من جديد.
من المؤسف، بل المريب، أن تُستباح اليوم رموز بحجم أم كلثوم، لا بوصفها فنانة خالدة فى وجدان الأجيال فحسب، بل باعتبارها نموذجًا نادرًا لفنانة مثقفة امتلكت حسًا ثقافيًا ولغويًا ووطنيًا وسياسيًا عاليًا، قلّ أن يجود به الزمن، وندر أن نلمسه لدى كثير من فنانى هذا العصر. فالتطاول على أم كلثوم ليس اختلافًا فى الرأى ولا اجتهادًا فنيًا مشروعًا، بل تفريغ متعمد للرموز من معناها، وتشويه لتجربة إنسانية وفنية صاغت الوعى العام، وأسهمت فى بناء الذائقة والضمير الجمعي. والأخطر أن يتم ذلك بموافقة، بل ومشاركة، ممثلين يقبلون أدوارًا لا تضيف للفن ولا للجمهور ولا للوطن، بل تعمّق الانقسام، وتشتت الأذهان، وتهدم القيم المستقرة، وتفتح الباب أمام تسطيح الوعى وتشويه رموز يصعب أن يجود بمثلها الزمان. فحين يُستبدل العمق بالإثارة، والتاريخ بالجدل، يصبح الصمت تواطؤًا، والدفاع عن الرموز واجبًا لا رفاهية.
أقول لمن يريد تشويه الست أم كلثوم صوت الوطن والفن العابر العصور.. لم ولن تنجحوا مهما فعلتم.. أما المؤلف والمخرج وأبطال الفيلم فعليهم أن يقرأوا تاريخ «الست» جيدا قبل الخوض فى سيرتها!!









