فى الأسابيع الأخيرة لعام 2025 تتكشّف أمامنا حقائق قاسية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن العنف لا ينشأ من فراغ، وأن التطرف لايُولد من أفكار مجردة بقدر ما يتغذى على المظالم، وانسداد الأفق، وغياب العدالة، ومن هذا المنطلق، نواصل فى أداء دورنا فى قراءة المشهد الدولى قراءةً واعية، فلا نكتفى بوصف الأحداث، بل نسعى إلى تفكيك سياقاتها العميقة وربط نتائجها بأسبابها الحقيقية.
وكالعادة غزة حاضرة فى عمليات الرصد وكذلك فى طرح وتناول بعض الملفات.. لأن ما يشهده قطاع غزة من مأساة إنسانية غير مسبوقة، إلى جانب اتساع رقعة النزاعات المسلحة، وتصاعد خطاب الكراهية والتمييز ضد المسلمين فى عدد من المجتمعات الغربية، يكشف بوضوح عن علاقة خطيرة بين تجاهل الحقوق الإنسانية، وتنامى مشاعر الغضب واليأس، ومن ثم استغلالها من قبل الجماعات المتطرفة بمختلف أشكالها، وهذا ما رددناه فى مخرجاتنا ولا نزال نحذر منه، وأن مواجهة التطرف لا تنفصل عن حماية الإنسان وكرامته، ولا تنجح دون عدالة دولية حقيقية، ومقاربات شاملة تعالج جذور الأزمات قبل أن تتحول إلى وقود دائم للعنف وعدم الاستقرار.
القضية الفلسطينية
سجل المرصد فى هذا الأسبوع تفاقمًا غير مسبوق فى المأساة الإنسانية بقطاع غزة، حيث يجتمع الحصار والقصف مع قسوة الطبيعة. فقد أدى منخفض «بيرون» الجوى إلى تدمير آلاف الخيام والملاجئ، ما ترك نحو 250 ألف نازح فى مواجهة مباشرة مع الموت بردًا، وسط خسائر مادية أولية قُدّرت بنحو 4 ملايين دولار شملت تدمير ما تبقى من مرافق حيوية. وتزداد الصورة قتامة مع الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية الطبية، وحرمان الأطفال مرضى السرطان من الوصول إلى العلاج الضروري.
وفى الضفة الغربية، وثّقت التقارير الأممية استمرار الانتهاكات المنهجية التى تشمل الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، ومصادرة الأراضى لصالح التوسع الاستيطاني، وهو ما يُعَدُّ تقويضًا متعمدًا لأى أفق سياسى حقيقى لحل الدولتين، حيث يسعى الاحتلال إلى تكريس سيطرته عبر خطط عسكرية بعيدة المدي، تشمل إنشاء مجمعات استيطانية داخل غزة، وفرض إدارة انتقالية مشروطة بنزع السلاح، الأمر الذى يضع المنطقة أمام مستقبل مفتوح على مزيد من عدم الاستقرار.
وعلى الجانب الآخر، يوجد تحوّلًا لافتًا فى الوعى الشعبى الأوروبي، تمثل فى تصاعد المظاهرات التضامنية، والأنشطة القانونية والثقافية الداعمة للحق الفلسطيني، بما يعكس فجوة متزايدة بين المواقف الشعبية الأخلاقية وبعض السياسات الرسمية.
خارطة التطرف حول العالم
أكدت تقارير مرصد الأزهر أن مناطق النزاع المسلح باتت تمثل «بيئات هشة» يُعاد فيها إنتاج التطرف، نتيجة العنف المنفلت، والانتهاكات الجسيمة، وغياب الحماية الدولية، وعلى سبيل المثال يتابع المراقبون الأوضاع فى السودان بقلق بالغ بعدما تحولت المنشآت الطبية إلى ساحات حرب، كما حدث فى قصف مستشفى الدلنج العسكرى بولاية كردفان، ما أسفر عن مقتل 9أشخاص وإصابة 17 آخرين من الكوادر الطبية، كما يُعد استخدام العنف الجنسى وسيلة للضغط والترهيب، إلى جانب خطر المجاعة الذى يهدد مئات الآلاف من النازحين فى منطقة «طويلة» بدارفور، وهذا يمثل وقودًا جديدًا لخطابات اليأس التى تستغلها الجماعات المتطرفة فى استقطاب الشباب.
ومن السودان إلى سوريا وأفغانستان حيث لا يزال «الإرهاب الصامت» المتمثل فى الألغام ومخلفات الحرب يحصد أرواح المدنيين، خاصة الأطفال والنساء، حيث وثّق المرصد السورى لحقوق الإنسان مقتل نحو 12 طفلًا و5 سيدات منذ مطلع ديسمبر 2025، ما يُنذر بتكوين جيل مثقل بالصدمات النفسية، وفى أفغانستان، فإن استمرار الصراعات الداخلية، وتزايد القيود المفروضة على تعليم وعمل المرأة، يعمّقان العزلة الدولية، ويرفعان من احتمالات الانفجار الداخلي، رغم محاولات إقليمية لخفض التوتر بين حركة طالبان وباكستان.
وعند مطالعة الواقع فى الساحل الإفريقى حيث تشهد مالى ونيجيريا توسعًا مقلقًا فى نشاط تنظيمى القاعدة وبوكو حرام، بما يهدد استقرار دول الجوار، وعلى رأسها موريتانيا والسنغال، وقد حذّر تقرير أممى أن النزاع فى مالى أسفر عن وجود أكثر من 290 ألف لاجئ، مرشحين للزيادة إلى نحو 318 ألفًا بحلول نهاية عام 2025.
وإلى أوروبا وفى ألمانيا حيث أقرّ برلمان ولاية «هيسن» منح صلاحيات موسعة لجهاز الاستخبارات الداخلية لمواجهة تمدد اليمين المتطرف، مع التأكيد على مراعاة حقوق الأطفال والحريات الفردية، وهذا النموذج مثال على أن مكافحة التطرف لا تنجح بالحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن، والفكر، والقانون، ودعم القيادات الدينية المعتدلة.
المسلمون والإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية
وهناك تصاعد مشحون بالقلق من استغلال الحوادث الأمنية لتغذية خطاب الكراهية ضد مسلمى الغرب، فقد شهدت جامعة «براون» بالولايات المتحدةحادثة إطلاق نار أثناء أداء الطلاب امتحاناتهم فى مبنى الهندسة، أسفرت عن مقتل طالبين وإصابة تسعة آخرين، بما يعيد إلى الواجهة إشكاليات أمن المؤسسات التعليمية، وفى أستراليا، تم استغلال هجوم «الحانوكا» فى سيدنى لتشويه صورة المهاجرين، رغم الدور البطولى الذى قام به المواطن المسلم أحمد الأحمد فى التصدى للمهاجم، فالمنفذ للعملية مسلم والمنقذ لعشرات الموجودين مسلم ايضًا؛ ما يؤكّد أن الدين لاعلاقة له بالتوجه العنيف لبعض الأفراد، كما توجد هناك سياسات تستهدف الممارسات الدينية تحت غطاء «العلمانية»، كما حدث فى فرنسا بفصل ممرضة لارتدائها قبعة جراحية، وفى بلجيكا بفصل سائق حافلة بسبب أدائه الصلاة خلال استراحة العمل، وتُسهم هذه السياسات، إلى جانب حوادث حرق المساجد كما فى مدينة غرونوبل الفرنسية، فى خلق حواجز حقيقية أمام الاندماج المجتمعي، وكذلك توظيف بعض البيانات الجنائية فى إسبانيا بصورة انتقائية لتغذية خطاب الكراهية ضد الأجانب، وهو ما يعكس هشاشة الاندماج الاجتماعى والفوارق الاقتصادية، دون أن يبرر تعميم الاتهام أو التحريض الجماعي.
ختامًا نؤكد أن التطرف لا دين له ولا جنسية، بل هو نتاج مباشر لبيئات الانتهاك، والإفلات من العقاب، ومن منطلق مسؤوليته الدينية والإنسانية، نستخلص ما يلي:
> ضرورة تدخل دولى عاجل لإنهاء المأساة الفلسطينية، ليس فقط من منظور إنساني، بل باعتبارها ضرورة أمنية لكسر دوائر التطرف.
> الانتقال من المقاربات الأمنية الصرفة إلى إستراتيجيات تنموية وفكرية تعالج جذور اليأس والفقر والتهميش.
> التصدى لظاهرة الإسلاموفوبيا باعتبارها أحد وجوه التطرف المعاصر، واعتبار التمييز المؤسسى ضد المسلمين تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي.
> دعم نماذج الاعتدال الدينى التى يمثلها الأزهر الشريف، بوصفها حائط صد يحمى المجتمعات من الانزلاق نحو العنف وخطاب الكراهية.
ويجب أن نوقن أن حماية الإنسان – أيًا كان دينه أو لونه أو ثقافته – هى الاستثمار الحقيقى فى أمن المستقبل، وكسر دوائر العنف يبدأ بعدالة ناجزة، وحوار حضارى صادق، وإرادة دولية لا تكيل بمكيالين.









