لا توجد جريمة بشعة وأخرى بسيطة أو هينة، فكلها غير مقبولة، الجريمة هى الجريمة أياكانت، من مجرد المخالفة إلى القتل أوالاغتصاب، تتفاوت فى القسوة أو الخروج عن المألوف، فكلما كان الأذى كبيرا كلما كانت أكثر تأثيرا على النفس، وعندما تكون الجريمة ضد أحد من الأقارب من الأهل أو الأسرة أو العائلة أوالأصدقاء، يتوقف الإنسان أمامها أكثر، وفى كل الأحوال تثير المزيد من الاشمئزاز، لأن الجانى لم يراع صلة الرحم ولا القرابة والرابط الذى بينه وبين من ارتكب ضده الجرم.
وقبل ثمانينيات القرن الماضى لم يكن هذا النوع من الجرائم شائعا أو معروفا فى مصر، ولم يكن له وجود يذكر، إلى أن وقعت تلك الجريمة التى لم يشهد المجتمع مثلها، عندما قامت زوجة فى السويس تدعى سميحة بتخدير زوجها وتقطيعه ووضعه فى عشرين كيسا بلاستيكيا، بعدما نشأت علاقة غرامية بينها وبين صديق زوجها وتناهت أخبارها إلى الزوج فقام بطرد صديقه، وعنف زوجته ولطمها على وجهها، فقررت الانتقام منه، فخدرته وأبناءها الخمسة حتى لا يشعروا بشيء اثناء تنفيذ الجريمة، وأحضرت ساطوراً كبيراً وفصلت رأسه وقطعّت جسده لأجزاء صغيرةً وضعتها فى أكياس، وألقت بها فى القمامة، وأحرقت المنزل لتختفى أثار الجريمة، وادعت أن زوجها هو الذى أشعل النيران، لكن كشفت التحقيقات تفاصيل جريمتها، التى هزت البلاد، فقد كانت بداية لظاهرة ذبح الأزواج وتعبئة أشلائهم فى أكياس وأول زوجة ترتكب مثل هذه الفعل، وفى عام 1985، صدر حكم بإعدامها وتنفيذه، وكان الناس حينها يتندرون ويقدمون النصائح للأزواج بعدم الاحتفاظ بسكاكين أو سواطير أو أكياس بلاستيك فى البيوت، وهناك من قال إن أسعار الأكياس والسكاكين سترتفع لأن كثيرا من الزوجات سيقدمن على طلبها وشرائها.
وبعد حوالى أربعين عاما من جريمة سميحة، كان الوجه الآخر لجريمة أسرية، ضحيتها «عروس المنوفية كريمة»، بسبب عنف الزوج، وانتهت حياتها بعد زيجة لم تكمل أربعة أشهر، وقد دبت الخلافات مبكرا بعد أسبوع واحد من زواجهما، وتبين أنه اعتاد على ضرب زوجته، وعادت غاضبة إلى بيت أبيها أكثر من مرة، وكشفت التحقيقات كل التفاصيل.
عشرات وربما مئات الجرائم الأسرية وقعت خلال تلك السنين، من قتل أباء وأمهات وأبناء وبنات وأجداد وجدات وإخوة وأخوات وأخوال وخالات وأعمام وعمات، وتعددت أسباب الجرائم بشكل كبير، إما لخلافات زوجية مختلفة أوللسرقة أو الخيانة أو الميراث أو حتى الانتقام، وفى الجرائم العائلية فى الغالب فتش عن الإدمان وتعاطى المواد المخدرة، أو نكد الزوجة أو بخل الزوج أو مصاريف البيت، أو دخول طرف ثالث أيا كان من الأقارب أو الغرباء فيفسد العلاقة الزوجية بشكل أو بآخر.
ولابد أن نذكر أن قضايا الطلاق كانت تستغرق وقتا طويلا فى المحاكم بسبب إجراءتها وعناد الطرفين واختلاق وقائع لتعطيل الفصل فى الدعاوي، فجاء قانون الخلع الذى أعطى للزوجة الحق فى خلع نفسها حتى دون أن تفصح عن الضرر الذى تتعرض له، وقد كان «الخلع» مخرجا للسيدات للفكاك من حياة صعبة أو حتى لمجرد أنها غير راضية عنها لأى سبب، ثم نجاة الأزواج المتعنتين من القتل.
ربما أجريت عشرات الأبحاث فى المراكز المتخصصة والجامعات عن الجرائم الأسرية، وتحدث خبراء القانون والنفس والاجتماع وعلماء الدين، وأقيمت ندوات وبرامج بلا حصر أو عدد، لكن ذلك كله لم يوقف هذه النوعية من الجرائم التى يرتبط أطرافها بروابط الدم والقرابة والمودة والرحمة، حيث يجب أن تلك الروابط مانعا وسدا يحول بين وقوع الجرائم والتورط فيها.
نحتاج إلى دراسات حديثة تتناسب مع معطيات وظروف العصر، تحدد الأسباب وتضع الحلول وتعمل على تحصين الأفراد من الجرائم كلها، وخاصة من تلك التى تمزق أوصال الأسرة والعائلة، حتى وإن لم تكن ظاهرة، فلا بد من العمل على منعها قبل وقوعها، حفاظا على الأرواح وتماسك المجتمع.









