أزعم أننى أنتمى لجيل عاش أزهى عصور الدراما المصرية ما بين «الشهد والدموع» و «ليالى الحلمية» و«المال والبنون» و «أرابيسك» وغيرها من الأعمال التى رسخت لمجموعة من القيم والمبادئ فى الشارع المصرى قبل أن تكون حالة فنية يتكامل فيها أداء الممثلين مع روعة النص.
وسأتوقف هنا عند مسلسل أرابيسك واحد من الروائع الدرامية للفنان صلاح السعدنى والقديرة هدى سلطان ومجموعة من نجوم الفن المصرى مثل سهير المرشدى وهالة صدقى وأبوبكر عزت وهشام سليم وغيرهم الكثير حيث نجح أسامة أنور عكاشة فى تقديم ملحمة فنية من داخل الحارة المصرية متناولاً العديد من القضايا الاجتماعية فى نسق درامى جعلنا نشعر وكأننا جزء منه.
العمل قدم لنا قضية اندثار العمالة الفنية الماهرة من داخل ورشة حسن أرابيسك – بطل العمل – وهو ما نعانى منه الآن حيث تلاشت العديد من الحرف والصناعات لعدم وجود العمالة الفنية الماهرة كما قدم لنا نموذج الأسطى الذى يزعجه انعدام القيم ويجاهد من أجل ترسيخها من خلال الحوار الذى جمعه بالصبى الذى يعمل معه وكيف أزعجه عدم احترامه لوالده فأعطاه درساً لا ينسى وحواره مع جارته عندما عادت متأخرة وهو ما رأه لا يتناسب مع تقاليد الحارة التى يعيش فيها.
ولم يغفل المؤلف تقديم جرعة من الرومانسية من خلال قصة الحب الخاصة التى جمعت بين القديرة سهير المرشدى وأبوبكر عزت والتى قدمت لنا مفهوماً عن الحب بشكل أخلاقى بجانب ما شاهدناه من نموذج التضحية للأخت الكبرى من أجل رعاية شقيقاتها بعد وفاة الأب والأم.
هدى سلطان كانت حالة عظيمة للأم القادرة على إعادة الأمور لنصابها الصحيح والانتصار للأخلاق مهما كانت التحديات كبيرة كذلك الابن فرغم قوة شخصيته إلا أنه أمام أمه لا يملك إلا الانصياع لما تقول ووسط هذه الحالة يترجم العمل قضايا الهوية والانتماء والثقافة العربية من خلال دكتور برهان الذى لعب شخصيته القدير كرم مطاوع.
كل هذه القيم تجسدت فى عمل وهكذا كان حال الدراما التى نجحت فى تربية جيل كامل على القيم والأخلاقيات وهو ما تذكرته وأنا أشاهد تلك المشاهد التى نشبت بين عجوز وفتاة داخل إحدى عربات المترو لأنها تضع رجلاً على الآخرى فى مواجهته وهو ما رأه الرجل لا يليق فى حين وجدت الفتاة أن ما يفعله الرجل غير مقبول وهنا لايجوز الانحياز لطرف على حساب الآخر فالرجل تربى على قيم تختلف عن معتقدات الفتاة التى جعلت ما فعلته ليس خروجاً على النص كما يرى العجوز.
نحن نعيش فى فجوة بين الأجيال وبعضها وبلا شك لعبت الدراما دوراً كبيراً فى توسيعها لأنها لم تقدم فناً هادفاً كما كان الحال فى الماضى واقتصرت على نموذجين فقط الأول الفقر والبلطجة والثانى الثراء والانحلال الأخلاقى باستثناء قلة من الأعمال قدمت دراما هادفة كالاختيار.
نحن فى حاجة ماسة لأعمال لا نخجل من مشاهدتها مع أطفالنا.. أعمال تساهم فى تربية أجيال على الأخلاق والاحترام.. أعمال لا تتخذ من التنمر مادة للضحك.. نحن فى حاجة لدراما تصلح المجتمع.









