بقلم : سامح فايز
تُثير الأزمات السلوكية التى طالت بعض الوجوه الإعلامية والدعوية المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية فى المنفى سؤالًا أعمق من مجرد التوقف عند وقائع فردية أو اتهامات عابرة، إذ تكشف هذه الحالات، فى مجموعها، عن خلل بنيوى فى نمط اشتغال المجال العام الإخوانى وانغماس فى الفضائح الجنسية والمالية.
فى هذا السياق، تبرز حالة الإعلامى المحسوب على جماعة الإخوان الإرهابية محمد ناصر بوصفها نموذجًا كاشفًا، ليس لأن ما أُثير حوله من اتهامات قد ثبت قضائيًا أو حُسم قانونيًا، بل لأن تداول هذه الاتهامات فى المجال الرقمي، وتفاعل الجمهور معها، كشف هشاشة البنية التى حملته إلى موقع التأثير منذ البداية. فمحمد ناصر لم يصعد داخل منظومة إعلامية مؤسسية ذات تقاليد مهنية واضحة، ولم يتدرج فى هرم صحفى أو إعلامى يسمح بتراكم الخبرة والمساءلة، بل ظهر فجأة فى لحظة فراغ تعبوى حاد أعقبت 2013، حيث احتاجت الجماعة إلى أصوات مرتفعة قادرة على مخاطبة جمهور مهزوم نفسيًا، غاضب سياسيًا، ومفصول عن المجال العام داخل بلده.
هذا النمط من الصعود السريع، غير المحكوم بمعايير مهنية أو تنظيمية، جعل العلاقة بين الشخص والمنصة علاقة ملتبسة؛ فهو فى آنٍ واحد واجهة وصوت، لكنه ليس جزءًا من مؤسسة تحميه أو تحاسبه، وهو ما يفسّر لماذا تتحول أى أزمة شخصية إلى أزمة عامة تهدد مجمل الخطاب الذى يحمله. فالإعلام التعبوى الشخصاني، بحكم طبيعته، لا يفصل بين الرمز والإنسان، ولا بين الرسالة والسلوك، ولذلك فإن أى اهتزاز فى صورة الفرد ينعكس فورًا على مصداقية الخطاب نفسه. اللافت أنه مع امتداد زمن الهروب الإخواني، بدأت تظهر فى الفضاء الرقمى اتهامات تتعلّق بمحمد ناصر، يمكن تصنيفها منهجيًا فى محورين أساسيين:
أولًا، اتهامات مالية تم تداولها فى سياق نزاعات شخصية أو خلافات داخل دوائر إعلامية وناشطين سابقين، وجرى توصيفها فى بعض المنصات بوصفها حالات تحايل أو سوء تصرّف مالي، تلك الاتهامات شكّلت عنصرًا ضاغطًا على صورته العامة، وأسهمت فى تآكل رأس المال الرمزى الذى يستند إليه الإعلام الإخوانى أساسًا.
ثانيًا، اتهامات سلوكية ذات طابع جنسي، جرى تداولها كذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا تكمن أهمية هذه الاتهامات فى مضمونها بقدر ما تكمن فى أثر تداولها داخل بيئة إعلامية تقوم على الشخصنة، حيث تصبح السمعة الشخصية جزءًا لا يتجزأ من الوظيفة السياسية والإعلامية.
تعددت الاتهامات الموجهة للإعلامى محمد ناصر بين استغلال لصورته الإعلامية وسط الإخوان الهاربين، والتربح على ذلك الأساس، متحايلا عليهم حتى يحصل على الأموال فى سبيل استمرار قضيته المزعومة. لكن اللافت للانتباه أن عمليات النصب تلك صادفت سيدات، ما يأخذنا للفضائح الجنسية التى طالت ناصر وبعضها انتشر على منصات التواصل الاجتماعى بالصوت والصورة، وهو مؤشر على انغماس الإعلامى الإخوانى فى بحر من ملذات شيطانية فى حين أنه يخرج علينا كل يوم ثائرا ومناضلا ومطالبا بتطبيق العدالة، متناسيا أنه يوجه سيف العدالة إلى غير مكانها الحقيقي، وهو جسد ناصر نفسه!
منهجيا، لا يجوز تجاهل أثر تلك الاتهامات. فالإعلام التعبوى الشخصاني، بخلاف الإعلام المؤسسي، يربط بين الخطاب وصاحبه ربطًا عضويًا، بحيث يصبح أى اهتزاز فى صورة الفرد اهتزازًا مباشرًا فى صدقية الخطاب ذاته. خاصة أنها ليست الحالة الأولى داخل الجماعة، وهنا لا أشير إلى فضيحة وكيل الجماعة وصهر حسن البنا عبدالحكيم عابدين، والذى حاكمته الجماعة فى الأربعينيات بتهم جنسية طالت سيدات الإخوان، وتستر عليه حسن البنا الذى فضل حماية عابدين على حماية القيم والأخلاق، إنما أقصد حالات حديثة تراوحت بين الاتهامات الجنسية والمالية؛ منها ما كشفه عضو التنظيم أمير بسام من خروقات مالية قام الأمين العام السابق للجماعة محمود حسين، وقد وصلت هذه الخروقات للتحقيق داخل أروقة التنظيم دون الإعلان عن نتيجة التحقيق حتى الآن، ولأن الفضائح داخل الجماعة لا تتوقف، فمؤخراً أيضاً ظهرت على السطح تهمة طالت الداعية الإخوانى محمد سلامة عبد القوى بسبب تحايله بالنصب على أحد أعضاء التنظيم فى مبلغ مالى جاوز 200 ألف دولار.
تكشف المقارنة المنهجية مع حالة محمد سلامة عبدالقوي، عن نمط مختلف من الأزمة، رغم تشابه نوع الاتهامات المتداولة فى بعض مراحلها. فعبد القوي، شأنه شأن ناصر، طالت اسمه اتهامات تتعلق بسلوكيات شخصية وأخلاقية، إلا أن السياق البنيوى لحالته يختلف جذريًا. إذ إن عبد القوى لم يصعد كإعلامى تعبوى إخوانى سياسي، بل كداعية دينى تقليدى نسبيًا، يستند إلى خلفية تعليمية أزهرية، وإلى حضور سابق داخل المجال الدينى الرسمى قبل أن ينتقل إلى الفضاء الرقمى ويعيد بناء جمهوره عبر المنصات.
هذا الاختلاف فى المسار يجعل المقارنة بين الحالتين مفيدة تحليليًا؛ لفهم كيف يتفاعل المجال الإخوانى وما يجاوره مع الأزمات السلوكية حين تصيب فاعلين من خلفيات مختلفة. ففى حالة عبد القوي، ظل الخطاب الدينى هو الإطار الحاكم، وهو خطاب يسمح بدرجة من الفصل بين الداعية وسلوكه الشخصى لدى بعض المتلقين، بينما فى حالة محمد ناصر، حيث يتماهى الخطاب مع حالة الغضب السياسى والتعبئة المستمرة، يصبح السلوك الشخصى جزءًا من التقييم العام للخطاب ذاته، ولا يعود ممكنًا فصلهما.
الأهم من ذلك أن كلتا الحالتين تشتركان فى غياب آلية مؤسسية واضحة للتعامل مع الأزمات. فلا توجد جهة تنظيمية تعلن التحقيق، ولا إطار داخلى يضع معايير، ولا خطاب رسمى يحدّد الموقف، وهو ما يترك المجال الرقمى مفتوحًا للتكهنات، والتسريبات، والحسابات الشخصية، ويحوّل الاتهام إلى أداة صراع داخل عواصم الهاربين. هنا تحديدًا تتجلّى خطورة الإعلام الفردى غير المؤطر، حيث لا تعود الأزمة شأنًا قانونيًا يُحسم فى ساحته الطبيعية، بل تتحول إلى معركة رمزية تُدار على وسائل التواصل، وتُستثمر فى تصفية الحسابات، أو إعادة توزيع المواقع داخل المجال المعارض.
عند مقارنة حالة محمد ناصر بحالة محمد سلامة عبدالقوي، تظهر فروق بنيوية مهمّة. فمحمد سلامة عبد القوى ينتمى إلى نمط مختلف من الفاعلين، حيث يقوم حضوره العام أساسًا على الخطاب الدينى والوعظي، لا على الإعلام السياسى التعبوى المباشر. الاتهامات التى طالت عبدالقوي، سواء كانت مالية أو سلوكية، جرى تداولها أيضًا فى الفضاء العام دون حسم قضائى نهائي، لكنها لم تُنتج الأثر نفسه على المنظومة الأوسع، لأن موقعه الوظيفى لا يقوم على التعبئة السياسية اللحظية، بل على خطاب دينى تقليدى يمكن فصله عن السياق السياسى المباشر. الفارق الجوهرى هنا أن محمد ناصر يعمل داخل طبقة يمكن توصيفها بـ «طبقة التنفيذ الصوتى للغضب السياسي»، وهى طبقة تتغذّى على الاستقطاب الحاد، وتحتاج إلى صورة رمزية متماسكة كى تؤدى وظيفتها. أما محمد سلامة عبد القوي، فيتحرّك داخل فضاء دعوى أوسع، يسمح بقدر أكبر من الفصل بين الشخص والخطاب، حتى وإن ظل هذا الفصل هشًا. لذلك، فإن الأزمات السلوكية أو المالية تكون أكثر تدميرًا فى الحالة الأولى منها فى الثانية.
تكشف هذه المقارنة أن المشكلة لا تكمن فقط فى الأفراد، بل فى نمط الإنتاج الإعلامى الذى نشأ فى المنفي، حيث جرى تحميل أشخاص بأدوار تفوق قدرتهم المؤسسية، ومنحهم مساحات تأثير دون بناء منظومات مساءلة موازية. فى هذا النمط، لا توجد آليات داخلية واضحة للتحقيق، ولا للفصل بين الخلافات الشخصية والوظيفة العامة، ولا لإدارة السمعة بوصفها موردًا سياسيًا يجب حمايته لا استنزافه.
على هذا الأساس، يمكن القول إن تكرار الاتهامات داخل بيئة إعلامية واحدة، حتى إن لم تُثبت قضائيًا، يُعد مؤشرًا على خلل هيكلى فى طريقة إدارة المنصات والأفراد، لا مجرد «سقوط أخلاقي» هنا أو هناك. فالمنظومة التى تسمح بتضخيم الأفراد دون حمايتهم مؤسسيًا، وتستثمر فى حدّتهم دون أن تتحمّل تبعاتها، هى منظومة تُنتج بطبيعتها أزمات متكررة، وتُضعف نفسها بيدها مع مرور الوقت.
بهذا المعني، لا تُقرأ حالة محمد ناصر، ولا حالة محمد سلامة عبد القوي، بوصفهما قصتين منفصلتين، بل بوصفهما نافذتين مختلفتين على أزمة واحدة: أزمة انتقال جماعة سياسية من التنظيم إلى المنفي، ومن العمل المؤسسى إلى الاعتماد على أفراد، ومن السياسة بوصفها ممارسة إلى الخطاب بوصفه تعويضًا. وهى أزمة ستظل تتكرّر ما دامت البنية هى ذاتها، حتى لو تغيّرت الأسماء والوجوه.









