وقف أمامنا في المقهى الشعبي يعرض بضاعته التي يحملها على يده، ويعلن بصوت عال ومتكرر عن رخص ثمنها. كان شاباً في العشرينيات من عمره ويرتدي ملابساً متواضعة، ويمر بين طاولات المقهى، يتطلع في رجاء من أجل الشراء.
نادي عليه أحد الأصحاب فجاء إليه مسرعاً لكن المستغرب أن صاحبنا، مد يده ليلتقط بعض الأشياء دون فحص أو معاينة لها، وخاطب الشاب: كم سعرها؟ فأجابه الشاب بالسعر فأعطاه ثمنها، ومضى الشاب لحال سبيله، وعندها قلت له اخترتها دون أن تراها! هل تحتاجها؟ أجاب وهل نحن نحتاج ما يعرض علينا كل يوم من الرخيص ومع هذا نشتري في صمت! مثل بضاعة البائع المتجول، صار رخص الكلام في مجتمعنا ممثلاً في كلام سطحي، جدال بلا فائدة، ألفاظ بذيئة، مما أنزل الحوار إلى الدرك الأسفل، ومعه ضعفت الارتباطات الاجتماعية وتم تغيب أو غياب اللياقة، والانصات الجيد، والتركيز على المعنى، بل وصل الأمر إلى رخص العبارات الفقهية والفتاوي دون فهم عميق، مما أفضى إلى انحطاط الذوق العام في الحديث.
عندما يقول الفيلسوف “فتجنشتين” أن حدود لغتنا هي حدود عالمنا فإننا نحتاج إلى دراسة واعية لطبيعة اللغة، وعلاقتها بالفكر والواقع، لا مجرد كلمات تبنى قصوراً من وهم، لا نسكن فيه سوى لحظات، ولا شيء معنا إلا كلمات بتعبير (نزار قباني).
الكلمة ليست بائعاً متجولاً يبيع بضاعته ونشتري لرخص ثمنها، بل هي بناء للإدراك وتكوين المعنى بأبعاده النفسية كالتفكير والنية، ومنطقه أو القصد والوصول إلى الحقيقة، ومدى ارتباط الكلمات بالواقع.
الكلمة ليست وصفاً لشىء ، بل فعل يغير الواقع فعندما يقول شخص لآخر أحبك فإنه لا يصف شعوره فقط، بل يوجد واقعاً جديداً من الالتزام تجاه من يحب.
هل بوسعنا الآن أن نفكر دون كلمات؟ هل يمكننا أن نلقي شعراً رقمياً يعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي؟، هل صرنا لا نبحث في دلالة الكلمات ولا جمالياتها أو إيقاعها اللغوي؟ إن الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية تنذر بعواقب وخيمة انتهى إليها (جاكوب ويسبرج) رئيس مجموعة (سلايت) إن الرسائل النصية تؤخر التقدم إلى سن الرشد، كما تبدو مبرراً للهروب من صعوبات الحياة وعلاقاتها الحميمة، فالشباب يبدون أقل قدرة على التعاطف متى كانوا غير قادرين على تحمل التواصل، فالوحدة هي الدافع وراء مساعدة الآخرين في ظل حاجتهم إلى التواصل الإنساني.
إننا أمام ظاهرة نعانيها من شباب صغار يتجنبون الاصغاء، بل والنظر في وجه من يحادثهم، إنهم لا يعيرون انتباهاً للكلمات الموجهة إليهم.
هل نحن بصدد إنسان جديد هجين يحمل ملامح إنسانية وسلوك آلي تتحول فيه الكلمات إلى أرقام أشبه ببضائع رخيصة يحملها بائع متجول.
ويعبر المبدع صلاح جاهين عن قيمة الكلمة فيقول الكلمة إيد الكلمة رجل الكلمة باب … الكلمة كوبري صلب فوق بحر العباب …. كلمة الجن يا حباب مايقدر يهدمه.









