تحت رعاية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، وبإشراف الأستاذ الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث، والأستاذ الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم ورئيس المؤتمر، والأستاذ الدكتور صفوت علي صالح، وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا ومقرر المؤتمر، وبحضور فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، الرئيس الشرفي للمؤتمر؛ انطلقت فعاليات المؤتمر الدولي الذي نظمته كلية دار العلوم بعنوان: “الاستشراق والهوية: مقاربات في اللغة والأدب والتراث العربي”.
شهد المؤتمر حضور الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والأستاذ الدكتور عيد بلبع، عضو مجلس الشيوخ السابق، ووكلاء الكلية، ورؤساء الأقسام، ولفيف من العلماء والباحثين والضيوف من المصريين والوافدين، حضوريًّا وافتراضيًّا عبر البث المباشر، في مشهد علمي يعكس مكانة جامعة القاهرة وريادتها في قيادة الحوار الفكري الرصين.
قوة الدولة ورهان المعرفة
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الأستاذ الدكتور أحمد بلبولة أن ما تشهده الكلية وجامعة القاهرة عمومًا يعكس قوة الدولة المصرية وإيمانها العميق بدور التعليم والبحث العلمي في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. وأوضح أن دعم الكفاءات العلمية وتهيئة المناخ للمبدعين بات سياسة مؤسسية واضحة، تتجلى في استضافة المؤتمرات الدولية الجادة. وأشار إلى أن عنوان المؤتمر وفكرته جاءا باقتراح من رئيس الجامعة؛ تعبيرًا عن وعي القيادة الجامعية بأهمية قضايا الهوية، مؤكدًا أن المؤتمر يأتي في توقيت بالغ الدلالة في ظل تصاعد الأسئلة حول صورة الشرق في الوعي الغربي، مما يستدعي بناء خطاب علمي نقدي قادر على الفهم والتفكيك والحوار.

الاستشراق بين الفهم والتحيز
ومن جانبه، أوضح الأستاذ الدكتور محمود السعيد أن عنوان المؤتمر يفتح آفاقًا واسعة للنقاش حول واحدة من أكثر الظواهر الفكرية تأثيرًا في علاقة الغرب بالعالم العربي والإسلامي. وأكد أن الاستشراق لم يكن مجرد دراسات لغوية، بل كان إطارًا معرفيًّا أسهم في تشكيل الوعي الغربي بالشرق، بين جهود علمية منصفة وأخرى انحازت لسياقات سياسية. وأضاف أن إدارة “دار العلوم” تحرص على أن تظل الكلية منبرًا للفكر المستنير، وامتدادًا لدورها التاريخي في خدمة اللغة العربية والعلوم الإنسانية.
علي جمعة: الهوية تبدأ من اللغة
وفي كلمة اتسمت بالعمق والصفاء الفكري، أكد فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة أن الله تعالى أقام صرح دار العلوم العلمي للحفاظ على هوية الأمة ولغتها، مشددًا على أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وأن التفريط في اللغة هو تفريط في الوعي والهوية معًا. وأوضح أن موقف علماء مصر من الاستشراق يقوم على التمييز؛ فيُؤخذ من المستشرق الجاد ويُضاف إليه مع الحفاظ على الثوابت الحضارية. وأشار إلى أن دار العلوم ظلت حصنًا منيعًا ضد “اللحن” في اللغة، وبوصلة للفهم العميق للنصوص، داعيًا الله أن تظل الكلية طريقًا للعودة إلى الهوية والإنسانية معًا.
رؤية الدولة وبناء الحوار
وفي السياق ذاته، أكد الأستاذ الدكتور صفوت علي صالح أن انعقاد المؤتمر يتسق مع رؤية الدولة المصرية الحديثة في عهد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تقوم على بناء جسور الحوار وترسيخ الفهم المتبادل مع الآخر. وأشار إلى أن الكلية تنطلق في خطتها البحثية من ربط قضايا الهوية بالدراسات البينية، بما يعزز دور العلوم الإنسانية في صياغة وعي المجتمع ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.

مداخلات فكرية وشهادات وطنية
وفي مداخلته، أكد الأستاذ الدكتور أحمد زايد صلابة الهوية المصرية وقدرتها التاريخية على مقاومة التشويه، واصفًا إياها بأنها “سبيكة من ذهب لا تصدأ”. أما الأستاذ الدكتور عيد بلبع، فقد فرّق بين القراءة الناقدة والقراءة الناقضة، داعيًا إلى استقبال الخطاب الاستشراقي بمنهجية تحليلية لا رداً انفعالياً. كما أكد الأستاذ الدكتور أيمن ميدان أن رهان رئيس جامعة القاهرة على “دار العلوم” هو رهان رابح، مشددًا على أن الكلية تمثل لبنة أصيلة في بناء الدولة المصرية التي خُلقت لتقود لا لتُقاد.
تكريم وإعلان الانطلاق
واختُتمت الجلسة بإعلان عميد الكلية انطلاق الفعاليات، وتقديم درع الكلية لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة وللأستاذ الدكتور أحمد زايد؛ إيذانًا ببدء حوار علمي رصين يعيد قراءة الاستشراق من موقع الثقة والمعرفة، مؤكدًا أن “دار العلوم” تواصل أداء دورها الحضاري بوصفها عقل اللغة العربية وضميرها العلمي.









