فى معركة الوجود الخفى .. حيث فى زمن اللا حدود، واجتياح الثقافات والأفكار بيوتنا عبر الشاشات الصغيرة، لم تعد منظومة القيم مجرد قائمة أخلاقية نتداولها فى الخطابات النظرية، بل تحولت إلى قضية وجودية تمس صميم هويتنا وقدرتنا على الصمود كمجتمعات متماسكة.
فموجات التغيير المتسارعة، التى تحمل فى طياتها فرصًا هائلة للانفتاح والتقدم، تُخفى فى الوقت نفسه أمواجًا عاتية من الاختراق الثقافى والتفكك القيمى.
هنا، يتحول السؤال من «هل نحافظ على قيمنا؟» إلى «كيف نحافظ عليها؟» فى معركة يومية تبدأ من البيت وتنتهى فى الفضاء اللامتناهى للإنترنت.
الأسرة: الحصن الأول.. بين القدوة والحوار اؤكد دائما خلال محاضراتى أنه ما يزال البيت هو الخلية الأولى لبناء الإنسان، حيث تغرس البذور الأخلاقية قبل أى مكان آخر.. فالطفل لا يرث القيم من خلال الكتب أو المحاضرات، بل يلتقطها بلغة السلوك اليومى الذى يراه فى والديه وأسرته،فالصدق ليس كلمة نرددها، بل هو منهج حياة يراه الطفل عندما نفى بوعد، أو نعترف بخطأ. الاحترام ليس درسًا نظريًا، بل هو النموذج الحى فى تعامل الأب مع الأم، والأسرة مع الجار.
ولكن فى تقديرى التحدى اليوم أصبح أعقد..فجدران البيت لم تعد تحميه من المؤثرات الخارجية، فالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية فتحت نوافذ عالمية على عقول أطفالنا.
هنا، يتحول دور الأسرة من التلقين إلى التأهيل والمرافقة، من خلال فتح قنوات الحوار الدائم، والاستماع أكثر من التوجيه، وبناء الثقة التى تجعل من الأبناء شركاء فى فهم المخاطر، لا مجرد متلقين للأوامر. المدرسة: من التعليم إلى التربية.. إعادة اكتشاف الرسالة لم تعد المدرسة مجرد مكان لتعلم القراءة والكتابة، بل هى ورشة بناء الإنسان..فالمناهج الدراسية، حين تدمج القيم فى جوهرها، تصبح قادرة على خلق جيل يعى معنى المواطنة الفاعلة، واحترام التنوع، وقيمة العمل والإنجاز.. ولكن هل يكفى ذلك؟ الدور الأكبر يقع على عاتق المعلم، ذلك الرمز الذى قد يخطئ المجتمع فى اختزاله فى «ملقن للمعلومات»..المعلم الناجح هو من يترك أثرًا فى أخلاق تلاميذه قبل علاماتهم، يرى فيهم بشرًا قبل أن يرى فيهم أرقامًا فى سجل.. إن الاستثمار فى إعداد المعلم معنويًا وماديًا هو أول خطوة حقيقية لإعادة الاعتبار للرسالة التربوية. الإعلام: صناعة الوعى.. بين الترفيه والمسؤولية من وجهة نظرى الإعلام اليوم يمتلك سلطة لم تكن تحلم بها أضخم الجيوش قديمًا: سلطة تشكيل العقول وتوجيه الرأى العام.. وهو بذلك يحمل سيفًا ذا حدين: حد يصنع وعيًا مجتمعيًا راشدًا، وحد يروج للتفكك والاستهلاك والانفعال..الفارق بينهما هو الضمير والمسئولية.
المحتوى الهادف ليس بالضرورة









