تعود مجددا ظاهرة «الاسلاموفوبيا» أو «العداء للإسلام» فى الدول الغربية وبعض الدول الإقليمية وذلك بسبب من ناحية أسباب تربوية وسياسية داخلية بالاساس ومن ناحية ثانية بسبب التطرف والغلو بل والقتل المجانى المسيئ للاسلام والذى تمارسه داعش والحركات الإسلامية المتطرفة التى لاتزال تطل برأسها فى الدول العربية المركزية ولا تزال خلاياها النائمة تستيقظ كل حين مقدمة خدمة كبيرة لكل كارهى ومنتقدى الإسلام وخالقة بالأساس «ظاهرة الاسلاموفوبيا».
اليوم «2025» أعيد الحديث عالمياً ومجدداً عن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو كراهية الإسلام» فى بعض دول الغرب الرئيسية، وقبل أن تتفاقم المشكلة مستقبلا نحتاج اليوم إلى مقاربة هادئة وأكثر عمقاً لما جرى وما قد يجرى تحت العنوان الكبير لتلك الظاهرة الخطرة: ظاهرة الإسلاموفوبيا.
بداية ينبغى التأكيد أننا نخفى رؤوسنا فى الرمال، إذا ما قلنا اليوم وبعد أن هزم تنظيم داعش فى بعض البلاد العربية، إن صورة الإسلام فى عقل الغرب وسياساته بل وجمهوره، أضحت ناصعة البياض، فالواقع أنه قد شابها تشويه كبير بسبب داعش وأخواتها من تنظيمات الإرهاب باسم الدين والممولة فى أغلبها ويا للدهشة غربيا، وأن ظاهرة الإسلاموفوبيا كما استقرت تاريخياً فى ذهنية الغرب: قد أعيد إنتاجها بقوة أكثر من ذى قبل. وهو الأمر الذى بات يحتاج إلى جهود جبارة من النخب الإسلامية والعلمانية والإعلامية فى شرقنا الإسلامى لمعالجة الآثار السلبية التى لحقت بصورة الإسلام والمسلمين بسبب هذه التنظيمات الإرهابية ورعاتها الاقليميين والدوليين. فى هذا السياق دعونا نحرر المفاهيم المتصلة بالظاهرة: ظاهرة الإسلاموفوبيا، قبل أن نقترح جملة من الوسائل لمواجهتها .
بداية يحدثنا التاريخ القريب أنه فى أجواء ما أطلق عليه ربيع الثورات العربية، ازداد الخلط الغربى – وتحديدا الأمريكى وعن عمد منه، تجاه أمور وقضايا تتصل بشرقنا الإسلامى لا يمكن أن تجتمع فى نسق قيمى أو معرفى واحد وهى أن الإسلام دينا للعنف والإرهاب، وهذا غير صحيح، تاريخياً وواقعياً، أو أن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال مثل المقاومة فى فلسطين ولبنان، هى إرهاب دينى وسياسي، أو أن كل ما جرى فى المنطقة خلال العام 2011 «ثورات»، فى حين أن الحقائق على الأرض الإسلامية العربية تؤكد أن كل ما يلمع ليس ذهباً، وأن بعض ما جرى ثورات بالفعل والبعض الآخر «مؤامرات» لحلف الناتو، أو أشواق للإصلاح والتغيير ركب عليها الغرب والأدوات التى صنعها ومنها داعش والإخوان، لتحقيق حماية طويلة المدي، ومتجددة الروح، لأهم مصلحتين استراتيجيتين له فى المنطقة: «نهب النفط» و«حماية أمن إسرائيل».
إن خلط الحقائق والقضايا، عمداً، لهو سمة ثابتة وغالبة إلا من استثناءات قليلة فى رؤية الغرب، ومن بين أبرز القضايا التى تم فيها غربياً خلط المفاهيم، قضية الخوف من الإسلام» أو «العداء للإسلام» ما اصطلح على تسميته بـ «الإسلاموفوبيا»، والتى تعنى فى أبسط معانيها، أن الإسلام، دين للعنف وأن المسلمين دعاة تعصب، وكراهية للآخر، وأن الحضارة الإسلامية، حضارة ترفض الحرية والعدل وقيم الحق والجمال، على النقيض تماماً مما دعا إليه هذا الدين ومارسه أتباعه من المسلمين. عبر تاريخهم الممتد وبنته حضارتهم من نماذج منيرة لأنبل القيم إن «الإسلاموفوبيا» ولا شك تحتاج منا إلى تقص دقيق لعلاقة الإسلام ديناً وحضارة بالغرب، وأسباب هذا العداء الغربى للإسلام خاصة فى زمن داعش والاخوان وأخواتهما، والذى ولد هذه الحال من الخوف منه «الإسلاموفوبيا»، وما هى سبيل لمواجهة لهذه الظاهرة التى أعيد إنتاجها على أيدى تنظيمات الإرهاب باسم الدين والتى هى بالأساس، وكما تأكد اليوم بعد هزيمتها المرحلية، كانت مجرد أدوات فى أيدى هذا الغرب ذاته وفى أيدى أجهزة مخابراته.
إذا كانت ظاهرة الإسلاموفوبيا لها أسبابها الروحية / العقائدية، والتاريخية والاستراتيجية.. فإن مواجهتها أو علاجها يتطلب أن يكون على نفس المستوى من التحذي، وعليه فإننا نقترح جملة من الخطوات والآليات لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا يمكن تلخيصها فى الآتي:
ـ إعلاء قيم الوسطية والتى دعا إليها القرآن الكريم فى قوله تعالي: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عليكم شهيداً» «البقرة 134».
والوسطية هى المنهج القرآني، وهى منهج النبى «ص»، فإنه كان وسطاً فى منهجه، وفى موعظته، وفى خطبه، وفى دعوته، وفى سلوكه بل وفى عبادته.
ـ الاهتمام بالإعلام لتقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام المحمدى الأصيل وأن ثمة فوارق كبيرة بينه وبين إسلام داعش وباقى التنظيمات التكفيرية الذى يصر إعلام الغرب فى أغلبه على تصديره إلى العالم خاصة بعد ربيع ما سمى بالثورات العربية، على أنه هو الإسلام، وهذا مخالف للتاريخ وللعقل.
ـ نشر التاريخ المضيء للحضارة الإسلامية وتوثيقها عن طريق العلماء والحكماء والمحققين. ينبغى أن نعمل من أجل التقارب بين المسلمين عامة والعرب خاصة، بهدف التعاون فى إيجاد خطاب فكرى وسياسى واحد نسبياً مع الغرب.
ـ ضرورة تبيان وكشف الدور الصهيونى فى تشويه الإسلام كعقيدة وعبادة وشريعة، وتشويه المسلمين وتصويرهم كشعوب متخلفة لا تمت للحضارة فى عقيدته وفكره وثقافته.
ـ ينبغى أن تقوم المؤسسات الإسلامية والعربية ذات الخطاب المعرفى المستنير بدورها فى التواصل مع المؤسسات الغربية المشابهة.. إيجاد خطة على المستوى الثقافى والفكرى للاستفادة من المسلمين الذين يعيشون فى الغرب والسعى إلى تفعيل مؤسساتهم ومراكزهم الفكرية والثقافية، بهدف تبيان حقيقة الإسلام وأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحضارية والأخلاقية.
إن الأمل كبير بدور المساجد والمراكز الثقافية والمنتديات والجمعيات الإسلامية التى ترعى المسلمين ثقافياً ودينياً فى الغرب، فى مواجهة هذه الحملة الممنهجة لتشويه الإسلام والمسلمين، وطمس معالم الحضارة الإسلامية.
تلك هى بعض الآليات والوسائل لمواجهة ظاهرة العداء أو الخوف من الإسلام «الإسلاموفوبيا» والتى بدأت تطل برأسها غربيا ومجددا خاصة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية فى غزة والمطلوب مواجهتها بالفكر والكلمة القرآنية الصحيحة وتنحية خطاب المتطرفين وموروث المتعصبين جانبا والعودة إلى النبع الاصلاحى الوسطى والمعتدل الذى يمثل الأزهر أحد قلاعه الشامخة وإعلام مصر وعلمائها الثقاة أحد ركائز هذا الخطاب الإسلامى المواجه للإسلاموفوبيا وغيرها من الظواهر المعادية لروح ووسطية الإسلام المحمدى الأصيل!









