المتابع للتحولات الكبرى فى حياة أمتنا من حقبة التحرر الوطنى إلى عصر بناء الدولة ومن ساحات الحرب الباردة إلى صراعات العولمة، يجد أننا نعيش حاليا تحولاً فى القيم البشرية عميقاً وخطيراً.. فقد تحول الإنسان من كائن يعيش إلى آلة تستهلك، بل اصبح عبداً للعلامة التجارية، وصارت مراكز التسوق بمثابة الكعبة الجديدة للمستهلكين.. وكأن الاستهلاك هو دين جديد.
لطالما كان الاستهلاك ضرورة حياتية، ووسيلة لإشباع الحاجات الأساسية، ولكن التحول الذى حدث- وهو تحول جيولوجى فى البنية النفسية للمجتمعات- جعل الاستهلاك غاية فى حد ذاته، لقد تحولنا من مجتمع الإنتاج الذى كان يفخر بما يصنعه، إلى مجتمع الاستهلاك الذى يتفاخر بما يملكه ويشتريه.
للأسف هذا ليس تطوراً طبيعياً، بل هو مشروع حضارى مدروس، مشروع تقف وراءه رأسمالية متوحشة تدرك أن الربح اللامحدود لا يتحقق إلا بخلق رغبات لا تنتهي.. وهو ما أشار إليه الفيلسوف الألماني- الامريكى إيريك فروم عندما قال: الاستهلاك الحديث يشبه الشرب من كأس ملئت بماء البحر، كلما شربت ازداد عطشك.
لقد خسرنا فخر الصانع، وفقدنا ابتهاج المنتج، وصرنا نعيش فى دوامة من الاقتناء المتوالى الذى لا يعرف الشبع.
وتوضح الارقام والدراسات مدى ماوصلنا إليه فى هذا الاطار كالتالي:
> الديّْن الاستهلاكي: وفقاً لتقرير صندوق النقد العربى «2023»، تجاوزت ديون الأسر الاستهلاكية الشخصية فى بعض دول المنطقة 30٪ من الناتج المحلى الإجمالي، فى مؤشر خطير على تحول المجتمع إلى آلة استدانة.
> التسوق كعلاج: كشفت دراسة أجرتها جامعة القاهرة «2023» أن 68٪ من الشباب يعترفون بأنهم يتسوقون أو يشترون عبر الإنترنت لتحسين مزاجهم أو الهرب من الضغوط، مما يؤكد تحول الاستهلاك إلى مخدر نفسى جماعي.
> الهدر المنظم: تشير إحصائيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن المواطن العربى ينتج من النفايات، خاصة نفايات التغليف والمنتجات سريعة الزوال، معدلات تفوق المتوسط العالمى بنسبة 25٪، وهى الصورة المادية الأوضح لـ «وباء الاستهلاك».
الاستهلاك لم يعد قراراً فردياً، بل أصبح أداة للتحكم فى المجتمعات.. فالمستهلك المديون هو مواطن خائف، والمجتمع المنشغل بالاقتناء هو مجتمع مشتت، لا ينتبه لما يحاك له أو بما يدور حوله.
لقد حولنا النظام العالمى إلى قطعان بشرية تساق إلى سوق الاستهلاك، وأصبحت الهوية الشخصية لا تُعرف من الفكر أو المبدأ، بل من الملبس والسيارة.
إذا استمر هذا المسار، فسنصبح أمة من الأشباح المادية، تمتلك كل شيء ولاتمتلك نفسها، أمة مشغولة بالحياة عن العيش حقاً.. ويصبح السؤال الذى لا مفر منه: كيف نخرج من هذا المعبد الواسع للاستهلاك؟!، كيف نستعيد قدرتنا على التمييز بين ما نحتاجه حقاً لنجتمع، وما يفرض علينا لنستهلك؟!









